الصفحة 393 من 1360

المناط الرابع: عمالتهم للصليبيين واليهود والكفار الأصليين، فلو قُطع النظر عن كفر الحكام المتسلِّطين على بلاد المسلمين اليوم، فإنَّهم عملاء للصليبيين واليهود ونحوهم من الكفار الأصليين، وهم يحكمون البلاد لهم بالوكالة، وحكم الوكيل حكم الأصيل، كما أنَّه لا يُختلف في قتال جنود الجيش الصليبي إذا غزا بلدًا من بلاد المسلمين ولو كان من المنتسبين إلى الإسلام في الأصل، ولا يُختلف في قتال قادة الجيش الصليبي الَّذين يضعهم الصليبيون المحتلّون من أبناء المسلمين، ولا يُختلف في قتال عمَّال الصليبيين الَّذين يضعونهم على البلاد التي يحتلّونها لحفظها، كما أنَّ الخلاف لا يقع في جميع هذه الصور فإنَّه لا ينبغي أن يُختلف في العملاء الكبار الَّذين يستخلفهم الصليبيون ليحكموا بلاد المسلمين، فالفرق بينهم وبين من سبق ذكره إنَّما هو حجم الولاية المسندة إليهِم، ومقدار العمالة المتحقِّقة فيهم.

وعمالة الحكَّام الموجودين اليوم متفرّقة، وأكثرهم عملاء لأمريكا: كحكام ما يسمّى بدول الخليج ومنهم حكام بلاد الحرمين، وكحكّام اليمن ومصر وأفغانستان ومجلس الحكم الانتقالي في العراق وغيرهم.

وإذا خفي كونهم حاكمين للبلاد نيابةً عن أمريكا، فليس يخفى أنَّهم تابعون في حكمهم وأحوالهم كلِّها للشرعية الدولية التي هي دينُ الأمم المتّحدة الَّذي تجتمع عليه وتلتزم به، وما يتبعه من أحكامٍ يستحلُّون قتال من خرج عنها، ويحرّمون ما لا تأذن به ولو كان أوجب الواجبات، ولا يحرّمون حرامًا بعد أن تأذن الأمم الملحدة فيه.

ولا يخفى حالهم مع الأمم الملحدة إلا على من طمس الله بصيرته وأعمى قلبه، فهم يعلنون بألسنتهم وأفعالهم تبعيّتهم والتزامهم الكامل بها وبما توجبه أو تحرّمه، ولا يقدّمون عليها قرارًا ولا رأيًا ولا اجتهادًا، بل حالهم معها حال المؤمن الصالح مع كتاب الله جل الله وعلا.

ولا يخفى حال الأمم الملحدة وقوانينها وحكمها النافذ في عبّادها إلاَّ على من أغمض عينيه وسدّ بالكرسف سمعيه ثمَّ وثب على الأحكام يُفتي ويجادل فيما ليس له به علمٌ، ومن شبَّهها بالمعاهدات المشروعة فقد ضلَّ ضلالًا بعيدًا، وهل يظنُّ أنَّ المعاهدات تحلُّ الحرام وتحرّم الحلال فيكون ذلك دينًا؟ وأنَّ الحكم بغير ما أنزل الله والتحاكم إلى الطاغوت الَّذي هو كفرٌ مخرج من الملَّة يُباح في العهود والعقود التي يأمر الله عزَّ وجلَّ بالوفاء بها؟

غاية ما في العهود الشرعية، أن يلتزم المسلمون ترك بعض ما أُذن لهم في فعله وتركه، ويتركوا قتال المشركين مدّة محدَّدة يكون ترك القتال فيها أصلح للمسلمين شرعًا بنظر ولي أمرهم المسلم وهذا جائزٌ بمعاهدةٍ وبغير معاهدةٍ.

وهذه المناطات الأربعة هي مناطات قتال الحكام المرتدّين المبدِّلين للدين، والمناطات الثلاثة: الردة عن الدين ولو لم يكونوا حكامًا، والتسلط -مع كفرهم- على بلاد المسلمين ولو لم يكونوا مرتدين، والعمالة للكفرة والصليبيين ولو قطع النظر عن كفرهم في أنفسهم، كلُّها مناطاتٌ موجبةٌ للجهادِ جهادَ دفعٍ، ومن توهَّم أنَّ قتال الحكام المرتدِّين من جهاد الطلب فقد أبعد في الخطأ، ولم أجد لمن ذكر هذا القول من الاستدلال.

هذا والله أعلم، وصلى الله وسلم على عبده ورسوله محمد بن عبد الله وعلى آله وصحابته أجمعين.

وكتبه عبد الله بن ناصرٍ الرشيد صبيحة الأربعاء ثالث أيام التشريق عام أربعةٍ وعشرينَ وأربعمائةٍ وألفٍ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت