فهرس الكتاب
وفي أحد أيام شهر رمضان المبارك من عام 1424 هـ كان عامر رحمه الله هو وإخوته في منزلٍ بحي السويدي في مدينة الرياض، فما شعروا إلا وقوات الطوارئ تحاصر المنزل بمدرعاتها وجنودها، والطائرات تحوم فوق رؤوسهم، وبرزت في هذه اللحظات الحرجة شجاعة الأخ عامر وهدوء أعصابه وثبات جنانه، فقد أمر الإخوة بلبس السلاح وإطفاء الأنوار وصعد هو وأخوه عبد الإله العتيبي رحمهما الله على سطح المنزل وفاجئا قوات الصليب بهجومٍ صاعقٍ بالقنابل اليدوية، وسدد الله رميهما فسقطت القنابل مباشرةً على المدرعات التي كانت تسد الباب على سيارة الإخوة، وفي لحظاتٍ خاطفة ووسط صيحات التكبير نزل عامر وعبد الإله من السطوح وكانا أول الخارجين من الباب - من شدة سرعتهما وحرصهما على الانغماس في العدو - وواجها قوات الطوارئ بصدر مكشوف وبدءا يطلقان النار بغزارة، فأما عبد الإله فقد استشهد رحمه الله، وأما عامر فقد أصابته رصاصتان: الأولى في ساعده الأيمن والثانية دخلت من خلف كتفه وخرجت من جانب بطنه وأصابت أحد مخازن الرصاص في جعبته، فانفجر المخزن وبدأت الطلقات في الخروج منه وأثر ذلك في إصابته رحمه الله.
ولكن الإخوة بفضل الله سبحانه ثم بفضل هذين الأسدين تمكنا من الإثخان في قوات العدو وأرادوا الخروج من المنزل، فأتوا لكي يحملوا أخاهم عامرًا فقال لهم: اتركوني واذهبوا ولكنهم أصروا على حمله رحمه الله.
وبينما هم في الطريق كان يردد وبصوتٍ مؤثر قول الله تعالى: (الَّذِينَ آمَنُوا يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ الطَّاغُوتِ فَقَاتِلُوا أَوْلِيَاءَ الشَّيْطَانِ إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطَانِ كَانَ ضَعِيفًا) وكان هو الذي يعرف طريق المنزل الذي سيتجه إليه الإخوة، فبدأ بوصف الطريق لهم ودماؤه تنزف بغزارة، وعندما نهاه الإخوة عن الكلام - لئلا يستهلك قوته - قال لهم: دعوني أصف لكم، فلو قتلت تنجون أنتم!! رحمه الله ورفع درجته، أي نفسٍ هذه؟!، حتى في أحلك المواقف والظروف لا ينسى إخوته.
وصل الإخوة إلى مأمنهم وبدأت معاناته رحمه الله مع الإصابة، فقد كان لا يأكل ولا يشرب إلا قليلًا ويكتفي بالمغذيات، ولكنه رحمه الله على شدة آلامه كان من خيرة الصابرين المحتسبين - نحسبه والله حسيبه - ولقد رأى منه الإخوة في مرضه هذا عجبًا، فقد كان لا يئن ولا يظهر التوجع لإخوته، ويغتم إذا أحس أنهم يتألمون لمصابه، وقد أبى بشدة أن يسلم نفسه للعلاج، وقال بالحرف الواحد: "والله لو أنني أردت الدنيا لرجعت إلى والدي - ووالدي يعملُ في أحد المستشفيات في الرياض - وأستطيع هناك أن أتعالج بأفضل وسيلة، ولكن والله لا أسلم نفسي للطواغيت، ولأن أموت بين إخواني أحب إلي ألف مرة من أن أسلم نفسي للطواغيت الكَفَرَة" لا إله إلا الله، من يقدر على مثل هذه؟؟!.
كان رحمه الله تصدر عنه كلمات طالما تعجب الإخوة منها كيف تصدر من هذا الرجل وهو بهذه الحالة .. وكان يحس بالألم الكبير لعجزه عن النهوض ومقارعة أعداء الله فكأنه أسدٌ جريح ثناه الدهرُ عما يرومه، وقد قال في ذلك: "والله لئن أحياني الله ليرين ما أصنع" ونحسبه والله حسيبه ممن يصدق كلامَه فعالُه.