الصفحة 530 من 1360

الأصل الرابع: أنَّ العدوان هو الخروج عن شرع الله عزَّ وجلَّ والقتلُ بغير إذنه، فعدُّ موسى عليه السلام قتله النفس القبطية إثمًا حقٌّ لأنَّه لم يكن مأذونًا له أن يقتلها، وكذا الحكم في صدر الإسلام حين نهى الله عز وجل عباده المؤمنين عن قتال الكفَّار، فكل خروجٍ عن أمر الله وحكمه عدوانٌ.

وبهذا يُعلم الجواب عن احتجاجِهم بقول الله عز وجل: (وَدَخَلَ الْمَدِينَةَ عَلَى حِينِ غَفْلَةٍ مِنْ أَهْلِهَا فَوَجَدَ فِيهَا رَجُلَيْنِ يَقْتَتِلانِ هَذَا مِنْ شِيعَتِهِ وَهَذَا مِنْ عَدُوِّهِ فَاسْتَغَاثَهُ الَّذِي مِنْ شِيعَتِهِ عَلَى الَّذِي مِنْ عَدُوِّهِ فَوَكَزَهُ مُوسَى فَقَضَى عَلَيْهِ قَالَ هَذَا مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ عَدُوٌّ مُضِلٌّ مُبِينٌ * قَالَ رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي فَاغْفِرْ لِي فَغَفَرَ لَهُ إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ) وقول موسى لمَّا أورد عليه فرعون قتله للقبطي: (قَالَ فَعَلْتُهَا إِذًا وَأَنَا مِنَ الضَّالِّينَ) .

ويُفهم بهذا قوله تعالى: (وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلا تَعْتَدُوا) ، فهو أمر من الله عز وجل بقتال من أذن بقتالهم وهم المعتدون، ونهي عن العدوان بعمومه وهو قتل من حرم الله قتله، وقتل غير المعتدين من العدوان حين نهى الله عنه، ومن إقامة شرع الله حين أمر الله به، وفي الآية قول آخر رجحه ابن جرير وهو قول ابن عباس وعمر بن عبد العزيز، أن المراد بقتال الذين يُقاتلوننا من شأنه القتال لا من يُقاتل بالفعل، فالفعل المضارع في الآية المراد به الوصف لا نفس الفعل، كما تقول عن المسلمين: هم الذين يصلون الصلوات الخمس، ولا تقصد أنَّهم يصلون وقت الكلام وإنَّما تقصد وصفهم بذلك، فيكون المراد على هذا القول: المقاتلة وهم الرجال البالغون القادرون على القتال، والنهي عن العدوان نهي عن قتل غير المقاتلة من النساء والأطفال ونحوهم.

هذا والله أعلم، وصلى الله وسلم على عبده ورسوله محمد وعلى آله وصحابته أجمعين.

وكتبه عبد الله بن ناصر الرشيد يوم السادس والعشرين من شهر الله المحرم عام خمسة وعشرين وأربعمائة وألف.

بطولات الرجال

(مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا)

عبد الله بن الزبير ... علوٌ في الحياة وفي الممات

ذكر ابن النحاس في مشارع الأشواق: أن ابن الزبير لما حضره الحجاج بمكة كان يقول لأصحابه: انظروا كيف تضربون بسيوفكم، وليصن الرجل سيفه كما يصون وجهه، فإنه قبيح بالرجل أن يخطئ مضرب سيفه. قال الراوي: فكنت أرمقه فما يخطئ مضربًا واحدًا ثبرًا من ذباب السيف أو نحوه. وهو يقول خذها وأنا ابن الحواريّ، ويقاتلهم قتالًا شديدًا، وجعل الحجاج يصيح: يا أهل الشام الله الله في الطاعة , فيشدّون الشدّة الواحدة، حتى يقال قد اشتملوا عليه, فيشد عليهم حتى يفرقهم، ويبلغ بهم باب بني شيبة، ثم يكر ويكرون، وكان لايحمل على ناحية إلا هزم من فيها حتى رمي بأجرّة في وجهه فشجته، فقال:

ولسنا على الأعقاب تدمى كلومنا ... ولكن على أقدامنا تقطر الدما

ثم وقع على وجهه وانتهض فلم يقدر فابتدروه فقتلوه.

وقال عثمان بن أبي طلحة: كان ابن الزبير لا ينازع في ثلاث: في شجاعة ولا عبادة ولا بلاغة.

وعن عمرو بن دينار قال: كان ابن الزبير يصلّي في الحجر والمنجنيق يصيب طرف ثوبه فما يلتفت إليه.

وقال هشام ابن عروة: رأيت الحجر من المنجنيق لقد كاد أن يأخذ لحية ابن الزبير، وسمعته يقول: والله ما أبالي إذا وجدت ثلاث مائة يصبرون صبري، لو أجلب عليّ أهل الأرض.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت