الصفحة 567 من 1360

انقداح هذا التساؤل في الذهن إنَّما يأتي بعد فراغه من معرفة الدوافع الحقيقية للمجاهدين، فظن أنَّهم انطلقوا بلا دوافع، أما من نظر -ولو بلا تأمّل- إلى الدوافع التي تدفع المجاهدين حقيقة؛ فإنَّه لن يستغرب من المجاهد كيف جاهد، وإنما يستغرب من القاعد، كيف قعد؟!

فالواقع أنَّ المجاهدين عملوا فطُلبوا، لا أنَّهم طُلبوا فعملوا.

أما مسألة: هل انتظر المجاهدون اجتماع الشروط العسكرية لبداية العمل، أم أعجلتهم المطاردات والمداهمات وانكشاف ما يعدون له؟

فيمكن من ينظر نظرة بسيطة، ولديه أدنى تجربة جهادية أو معرفة ناتجة عن متابعة الأخبار باهتمام، أن يعرف أمرين ويدركهما بوضوح:

الأمر الأوَّل: أنَّ المرحلة التي انكشف فيها عمل المجاهدين إنَّما كانت في الخطوات النهائية لبدء العمل، والانكشاف متوقع جدًّا ويحصل في جميع المراحل -سواء في المشروع العسكري من الأساس، أو في عملية معينة- والمرحلة التي وصل إليها المجاهدون قبل انكشاف العمل، مرحلة لا يضرها الانكشاف إلا بنسبة لا تخرج عن حدود ما تتوقعه القيادة الميدانية وتتمكن من السيطرة عليه بالخطط البديلة، فلم يكن الانكشاف والعمل في مهده ومراحله الأولى ولا المتوسطة.

وبناء على هذا، فلا يمكن أن نقول إنّ الانكشاف سبب التعجل عن توفير الشروط العسكرية اللازمة، مع أنَّ العمل لم ينكشف إلا وقد توفّرت الشروط بمستوى أعلى من المستوى الأدنى الذي لا بد منه.

الأمر الثاني: أنَّ أكثر الحركات الجهادية المعاصرة -إن لم يكن جميعها- دخل المعركة، وبدأ في المواجهة في مستوى أقل من المستوى الذي بدأت به حركات الجهاد في بلاد الحرمين.

فعدد المجاهدين الذي يمكن معرفته أو تقديره من وسائل إعلام العدو، أو من تقدير العمليات أكثر من العدد في كثير من الحركات الجهادية التي بدأت ببضعة عشر رجلًا.

والأسلحة التي توفرت لدى المجاهدين قبل بدء العمل لم تستطع بعض الحركات توفيرها إلا بعد خمس سنوات أو عشر سنوات من بداية العمل.

والتأييد الشعبي الذي حصل عليه المجاهدون بفضل الله لم تحظَ به أكثر الحركات في بداياتها، بل لم تصل إليه بعض الحركات الجهادية إلا بعد سنوات طويلة، والحركة الجهادية في جزيرة العرب توفر لها من الدعم والتأييد والتعاون قبل بدايتها ما جعل العدو يقلب كفيه، ويخبط خبط عشواء.

ولا بدّ أن نتذكّر ونذكِّر أنَّ كل هذا التأييد لم يكن بحول ولا قوة من المجاهدين، وإنَّما هو محض فضل الله عليهم، ومنته على عباده المؤمنين، كما نتذكّر أيضًا أنَّ المجاهدين لا ينصرون بعددٍ ولا عدّةٍ ولا فضلِ علمٍ وخبرةٍ، وإنَّما يُنصرون وينتصرون بالله عز وجل وبنصرتهم لدينه التي وعدهم عليها أن ينصرهم.

وليس هذا المقام مقام البحث في أسباب توفر ذلك بعد توفيق الله، من المستوى الديني والصحوة المباركة في البلاد، والمحبة التي ترسخت في قلوب الناس للجهاد، والنفاق الخبيث الذي انكشف لمن لم يكتشفه قبل من الناس من نفاق حكومة آل سلول الذي أعلنته في الأحداث الأخيرة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت