فهرس الكتاب
دكان الورَّاق ملَّة إبراهيم
للشيخ الأسير أبي محمد المقدسي عاصم العتيبي
هي الحنيفية التي أمر الله نبيه محمّدًا صلى الله عليه وسلم باتباعها (ثُمَّ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ) وأبرزُ معالمها الصدعُ بالتوحيد، والجهر بالبراءة من المشركين (قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ إِذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَآءُ مِنْكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاءُ أَبَدًا حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُ) الآية.
وكل دعوةٍ تهمل هذا الأسلوب فهي على غير منهج النبوة، ومن ظن أن مصلحة الدعوة في مداهنة الطواغيت، وتمييع الموقف منهم، أو التكتم على إعلان الكفر بجاهلية هذا العصر وشركه وقوانينه الوضعية، فهو واهم؛ لأن الله أعلم بمصلحة عباده، وهو الذي أمرهم بهذا الأمر، وألزمهم بهذا الدين القيم.
واتباع ملة إبراهيم عليه السلام هو عين الحكمة والرشد، وأصحاب هذه الدعوة الحنيفية هم أعقل الناس وأهداهم إلى سواء السبيل، ومن أعرض عن منهجهم وسمّى طريقتهم في الصدع بالتوحيد تهورا ومثالية، وحماسا وجهلًا، فهو ممن حق عليه قول الله تعالى (وَمَنْ يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إِبْرَاهِيمَ إِلَّا مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ) .
ولقد سار نبينا محمّد صلى الله عليه وسلم على هذه الملة واتبعها من أول الأمر فصدع في وجوه المشركين: (قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ * لا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ * وَلا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ * وَلا أَنَا عَابِدٌ مَا عَبَدْتُمْ * وَلا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ * لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ) وقال لهم في عزة وشجاعة: لقد جئتكم بالذبح، وكسر ما قدر عليه من الأصنام في مكة، وسب آلهة المشركين، وعاب ما ألفوا عليه آباءهم، وسفه أحلامهم، وأنكر عليهم شركهم.
هذه بعض معالم دعوة التوحيد الصافية النقية التي وضحها الشيخ أبو محمد المقدسي فكّ الله أسره في كتابه القيّم "ملة إبراهيم"، وهو كتاب عظيم نافع، يجلي واقعنا المرير تجاه دعوة التوحيد والكفر بالطاغوت والذي نخشى أن يكون هو أحد صور الفتن التي أخبر النبي صلى الله عليه وسلم أنها كقطع الليل المظلم يصبح الرجل فيها مؤمنا ويمسي كافرا، ويمسي مؤمنا ويصبح كافرا وقد رد المؤلف على شبهة أن هذا الأسلوب من الدعوة هو مرحلة أخيرة تسبقها مرحلة السرية، وبين أن السرية لا تنافي منهج الدعوة الأصيل لكنها سرية التنظيم لا سرية المبادئ، كما أجاب عن بعض الاستدلالات الجزئية التي يعترض بها على هذا الفهم لمنهج الدعوة كقوله تعالى (وَلا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْوًا بِغَيْرِ عِلْمٍ) الآية.
نسأل الله أن ينفع بهذا الكتاب وأن يهدينا إلى الحق ويثبتنا عليه إنه سميع مجيب.
قريبًا
إن شاء الله