الصفحة 721 من 1360

الرابع: أنَّ النبي صلى الله عليه وسلم قال له أنتَ أعلم، وإذا كان الرجل أعلمَ من النبي صلى الله عليه وسلم فلا ريب أنَّه أعلم بحال والديه لا بحال الجهاد وكونه فرض عينٍ وفرض كفايةٍ، أو بحكم استئذان الوالدين في هذين الحالَين، وذلك للعلم بأن النبي صلى الله عليه وسلم أعلم بالحكم وبالحال فيما يعمُّ الأُمَّة.

والحديث أصلحُ للاستدلال به على عدم وجوب استئذان الوالدين في الجهاد سواء تعيّن أم لا؟ فالرجل لم يأمره رسول الله صلى الله عليه وسلم باستئذان والديه أمرَ عزيمةٍ، بل خيَّره في ذلك، فلو ذهبَ ذاهبٌ إلى أنَّ الحديث مفسِّرٌ للأحاديث الأُخرى، ودالٌّ على أنَّ الأمر ببرِّ الوالدين وترك الجهاد مستحبٌّ في فرض الكفايةِ، لكان في غايةِ القوَّةِ لولا ضعفُ الحديث.

ولا أعلم من أين أخذ من استدلَّ بالحديث على سقوط إذن الوالدين في فرض العين استدلاله، ولا أدري كيف تتابعَ عليه جماعةٌ من أهل العلم، ولعلهم فهموا منه ما لم أتوصَّل إليه، أو استعجلوا في الأخذ منه دون تأمُّل، والله أعلم.

والثابت بالحديث الصحيح وجوب استئذان الوالدين، والثابت بالقواعد الشرعية استثناء فرض العينِ من ذلك، لأنَّه لا طاعةَ لمخلوقٍ في معصية الله، ومن معصية الله ترك الجهاد المتعيِّن.

استئذان الزوج:

قال الله عزَّ وجلَّ في محكم التنزيل: (الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ) ، وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لا تمنعوا إماءَ الله مساجدَ الله" ففُهم منه وجوب الطاعةِ للزوجِ فيما عدا ذلك، وقد انعقد الإجماع على وجوب طاعة الزوجةِ زوجَها عمومًا، وعلى وجوبِ استئذانها إيَّاه في الخروج من بيتها خصوصًا، ومن ذلك الخروج إلى الجهاد في سبيل الله.

والحُكم في المرأةِ كالحُكم في جميع ما تقدَّم، من وجوب استئذانها زوجَها ما لم يتعيَّن الجهادُ عليها، للأدلَّة الدالَّة على ذلك، إلاَّ أنَّ المرأة لا يتعيَّن عليها الجهاد الذي يتعيَّن على الجهاد، بل هي كأصحاب الأعذارِ في سقوطِ الواجبِ عنها، وكفايةِ غيرها لها.

وإنَّما يتعيَّن الجهاد على المرأة إذا خشيت على عرضِها ونفسها من جهة دفع الصائل، فيجبُ عليها أن تدفع عن نفسها ولا يجوز لها الاستئسار في هذه الحال، بل يجب عليها القتالُ كما نصَّ عليه جماعةٌ من أهل العلم، فهنا يُقال: إنَّ هذا هو فرض العين الذي لا طاعة لزوجها فيه.

وقد سألت عائشة رسول الله صلى الله عليه وسلم: هل على النساء جهاد؟ فقال: "جهادكنَّ الحجُّ والعمرة"، فدلَّ على أنَّه لا يجبُ عليهنَّ من الجهاد ما يجبُ على الرِّجال، والنساءُ أولى من الأعرجِ ونحوه بالعذر، لما في طبيعتهنَّ من الضعفِ والجبنِ، وهذا حكمٌ مجمعٌ عليه.

وليس معنى هذا تحريم الجهادِ على المرأةِ كما ذهبَ إليهِ بعضُ المتأخِّرين، بل هو جائزٌ لها غيرُ محرَّمٍ عليهَا، وحديثُ عائشةَ إنَّما سألت فيه عن الوجوب لا الجواز، فلم تقل هل للنساء أن يُجاهدن؟ وإنَّما قالت: هل على النساء جهاد؟

وفي الصحيحين أنَّ أم حرام ابنة ملحان قالت للنبي صلى الله عليه وسلم ادعُ الله أن يجعلني منهم، في حديث القوم الذين يركبون البحر في سبيل الله، فدعا لها بذلك، وكان جماعةٌ من النساء يخرجن مع النبي صلى الله عليه وسلم في غزواته يسقين ويداوين الجرحى، منهنَّ عائشة الصديقة بنتُ الصديق، وأم سُليطٍ الأنصارية، وأمُّ سليم الأنصاريَّة، والرُّبيّع بنتُ معوَّذ، وأمُّ عطيَّة الأنصاريَّة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت