وكتبه: الشيخ عبد الله بن ناصر الرشيد
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين، نبينا محمد وعلى آله وصحابته أجمعين، أما بعد:
فقد شرع الله مقاتلة الكفَّار، للوصولِ إلى حقٍّ مشروع، أو إقامة واجبٍ مفروض، أو لدفع العدوان والصيال، أو لإلحاق الأذى والنكاية بالكفَّار، فالمقصدان الأوَّلان والمقصد الرابع داخلةٌ في جهاد الطلب، والمقصد الثالث جهاد الدفع، ومن الحقوق المشروعة للمسلمين، الوصول إلى المال الَّذي بأيدي الكافرين، لأنَّه مما أحله الله للمسلمين وأباحه لهم فقال عز وجل: (فَكُلُوا مِمَّا غَنِمْتُمْ حَلاَلًا طَيِّبًا) ، والقتال لغنيمة المال، يكون لاغتنامه قبل أن يملكه المسلمون، ولاستنقاذه واستعادته من أيدي الكافرين؛
فالقسم الأوَّل: القتال لاغتنام المال الذي لم يملكه المسلمون:
وقد دلَّ الكتاب والسنة على مشروعية القتال لغنيمة المال بأدلَّة كثيرة، ومن وجوه متعددة:
فمنها ما أثبت الله فيه عن المؤمنين أنَّهم يريدون الغنيمة كقول الله عز وجل: (وَإِذْ يَعِدُكُمُ اللّهُ إِحْدَى الطَّائِفَتِيْنِ أَنَّهَا لَكُمْ وَتَوَدُّونَ أَنَّ غَيْرَ ذَاتِ الشَّوْكَةِ تَكُونُ لَكُمْ) ، وغيرُ ذاتِ الشوكة التي ودَّ الصحابة أن تكون لهم هي الغنيمةُ مع العير، وقال تعالى: (سَيَقُولُ الْمُخَلَّفُونَ إِذَا انطَلَقْتُمْ إِلَى مَغَانِمَ لِتَاخُذُوهَا ذَرُونَا نَتَّبِعْكُمْ) فعلَّل الانطلاق بأخذ المغانم، وقال: (وَلاَ تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقَى إِلَيْكُمُ السَّلاَمَ لَسْتَ مُؤْمِنًا تَبْتَغُونَ عَرَضَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فَعِندَ اللّهِ مَغَانِمُ كَثِيرَةٌ) ؛ فأنكر عليهم قتلهم من ألقى السلام لأجل الغنيمة، لا أنَّهم أرادوا الغنيمة، ولذا أخبرهم بالبدل وهو المغانم الكثيرة عنده، وجاء عن رسول الله صلى الله عليه وسلم من وجوهٍ عدَّة أنَّه حين رغَّب المسلمين في غزوة تبوك قال: اغزوا تغنموا بناتِ بني الأصفر.
ومنها ما أثبت فيه الصحابيُّ عن النبي صلى الله عليه وسلم الخروج للغنيمة، قال كعب بن مالكٍ في سياق قصَّة تخلُّفه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في غزوة العسرة:"غير أنِّي تخلَّفتُ عن غزوةِ بدرٍ، ولم يُعاتَب أحدٌ تخلَّف عنها، إنَّما خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم يُريدُ عيرَ قريشٍ".
ومنها ما رغَّب الله ورسولُه المؤمنين فيه بالغنيمة، والترغيب هو إيجادُ الرَّغبة، والمقصود من الترغيب في الفعل حصولُهُ، فالرغبة التي يقصد إليها من يُرغِّب هي الرغبة في الغنيمة التي تدفعه إلى القِتال، فقال تعالى: (وَعَدَكُمُ اللَّهُ مَغَانِمَ كَثِيرَةً تَاخُذُونَهَا فَعَجَّلَ لَكُمْ هَذِهِ) والوعدُ بالمغانم ترغيبٌ فيها، وقال عزَّ وجلَّ: (وَإِذْ يَعِدُكُمُ اللّهُ إِحْدَى الطَّائِفَتِيْنِ أَنَّهَا لَكُمْ وَتَوَدُّونَ أَنَّ غَيْرَ ذَاتِ الشَّوْكَةِ تَكُونُ لَكُمْ) فذكر أنَّه وعدهم إحدى الطائفتين وإحداهما العيرُ وفيها الغنائم، وقال: (وَعَدَكُمُ اللَّهُ مَغَانِمَ كَثِيرَةً تَاخُذُونَهَا فَعَجَّلَ لَكُمْ هَذِهِ) ، وقال: (وَلاَ تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقَى إِلَيْكُمُ السَّلاَمَ لَسْتَ مُؤْمِنًا تَبْتَغُونَ عَرَضَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فَعِندَ اللّهِ مَغَانِمُ كَثِيرَةٌ) . والقصد المشروع لمن يُقاتل لغنيمة المال يدور بين أمرين:
الأول: قصد اكتساب المال للمسلمين، وإمداد بيت مال المسلمين بما يكفي لمنافعهم.