الصفحة 921 من 1360

هكذا إذًا استقى الطاغوت عبد الله بن عبد العزيز ما أوحاه إليه الشيطان مما سماه بالعفو وتضمن دعوة المجاهدين إلى تسليم أنفسهم وإلى التوبة من التوحيد والكفر بالطاغوت وتوعدهم إن لم يفعلوا بالقتل، هكذا تشابهت قلوب المجرمين في كل عصر، ولكن وحي الشيطان إلى أوليائه يزهق أمام وحي الله الذي يتوعد الطغاة والمجرمين، قال تعالى: (فَأَوْحَى إِلَيْهِمْ رَبُّهُمْ لَنُهْلِكَنَّ الظَّالِمِينَ * وَلَنُسْكِنَنَّكُمُ الأَرْضَ مِن بَعْدِهِمْ ذَلِكَ لِمَنْ خَافَ مَقَامِي وَخَافَ وَعِيدِ * وَاسْتَفْتَحُوا وَخَابَ كُلُّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ * مِّن وَرَآئِهِ جَهَنَّمُ وَيُسْقَى مِن مَّاء صَدِيدٍ * يَتَجَرَّعُهُ وَلاَ يَكَادُ يُسِيغُهُ وَيَاتِيهِ الْمَوْتُ مِن كُلِّ مَكَانٍ وَمَا هُوَ بِمَيِّتٍ وَمِن وَرَآئِهِ عَذَابٌ غَلِيظٌ) روى ابن جرير عن ابن عباس رضي الله عنه قال: كانت الرسل والمؤمنون يستضعفهم قومهم, ويَقْهَرونهم, ويكذّبونهم, ويدعونهم إلى أن يعودوا في ملّتِهم, فأبى الله عزّ وجلّ لرسله وللمؤمنين أن يعودوا في ملّة الكفر, وأمرهم أن يتوكّلوا على الله, وأمرهم أن يستفتحوا على الجبابرة, ووعدهم أن يسكنهم الأرض من بعدهم, فأنجز الله لهم ما وعدهم, واستفتحوا كما أمرهم أن يستفتحوا. وَخابَ كُلّ جَبارٍ عَنِيدٍ.

وقال جل ذكره: (إِنَّ الَّذِينَ فَتَنُوا الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَتُوبُوا فَلَهُمْ عَذَابُ جَهَنَّمَ وَلَهُمْ عَذَابُ الْحَرِيقِ * إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ ذَلِكَ الْفَوْزُ الْكَبِيرُ * إِنَّ بَطْشَ رَبِّكَ لَشَدِيدٌ * إِنَّهُ هُوَ يُبْدِئُ وَيُعِيدُ * وَهُوَ الْغَفُورُ الْوَدُودُ * ذُو الْعَرْشِ الْمَجِيدُ * فَعَّالٌ لِّمَا يُرِيدُ * هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْجُنُودِ * فِرْعَوْنَ وَثَمُودَ * بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي تَكْذِيبٍ * وَاللَّهُ مِن وَرَائِهِم مُّحِيطٌ) .

فليستبشر المؤمنون وليؤملوا خيرًا فإن تجارتهم مع الله رابحة، وأما تخيير الطاغوت لهم بين القتل أو الاستسلام فكلام هزل، وجعجعة سخيفة، أصدق منه وأحكم وعد الله الذي أمرنا أن نخبر به كل عدو ليعلم أن ليس له من الأمر شيء بل الأمر كله لله (قُلْ هَلْ تَرَبَّصُونَ بِنَا إِلاَّ إِحْدَى الْحُسْنَيَيْنِ وَنَحْنُ نَتَرَبَّصُ بِكُمْ أَن يُصِيبَكُمُ اللّهُ بِعَذَابٍ مِّنْ عِندِهِ أَوْ بِأَيْدِينَا فَتَرَبَّصُوا إِنَّا مَعَكُم مُّتَرَبِّصُونَ) .

اللهم يا مقلب القلوب ثبت قلوبنا على دينك، وصرف قلوبنا على طاعتك، وصل اللهم وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه.

الدُّرر من الدُّرر

إذا قام المسلمون بما أمرهم الله به من جهاد عدوهم، بحسب استطاعتهم، فليتوكلوا على الله، ولا ينظروا إلى قوتهم وأسبابهم، ولا يركنوا إليها، فإن ذلك من الشرك الخفي، ومن أسباب إدالة العدو على المسلمين ووهنهم عن لقاء العدو، لأنَّ الله تبارك وتعالى أمر بفعل السبب، وأن لا يتوكل إلا على الله وحده.

الدرر السنيَّة: [ج 8 ص 7

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت