فأمَّا العمومات؛ فلأنَّ نصوص التحريم خاصَّة، فما جاء عامًّا بعدها حمل على ما عدا الأشهر الحرم، والعامّ لا ينسخ الخاصّ، وما ذكروا من السُّنَّة لا ينتهض على الدلالة على النسخ، لما ذكر أبو العباس ابن تيمية رحمه الله، من أنَّها كانت تبعًا لا ابتداءً، ولما ذكره ابن العربي من أنَّها نصوص ضعيفةٌ، وهذا يحتاج إلى تحرير، والله أعلم.
وأمَّا قوله تعالى: (إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِندَ اللّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا فِي كِتَابِ اللّهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَاوَات وَالأَرْضَ مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ فَلاَ تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنفُسَكُمْ وَقَاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَآفَّةً كَمَا يُقَاتِلُونَكُمْ كَآفَّةً) ؛ فهو وإن كان أظهر من غيره في النّسخ إلاَّ أنَّه لا ينتهض به، فقوله (كَمَا يُقَاتِلُونَكُمْ كَآفَّةً) يُحمل على قتالهم معاملةً بالمثل لا ابتداءً، فيكون موافقًا لقوله تعالى: (الشَّهْرُ الْحَرَامُ بِالشَّهْرِ الْحَرَامِ وَالْحُرُمَاتُ قِصَاصٌ) ، وتكون الكاف فيه للتعليل.
وقد يُقال أيضًا: إن كان قوله: (قَاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَآفَّةً) ، داخلًا فيه الأشهر الحرم، فإنَّ قوله: (كَمَا يُقَاتِلُونَكُمْ كَآفَّة) كذلك لا محالة، فدلَّ على أنَّ المراد قومٌ من المشركين يُقاتلوننا كافَّةً في الشهر الحرام وغيره، وهؤلاء لا خلاف في مُقاتلتهم في الشهر الحرام كما يأتي بإذن الله.
وقد يُقال: إنَّ لفظ (حُرُمٌ) في الآية تضمّن تحريم القِتال، فيكون العموم في قوله (كَآفَّةً) متعلّقًا بمحذوفٍ تقديرُهُ"بعدها"أو نحوه، فيكون كقولك: هذا الشهر حرامٌ، وافعل ما بدا لك في كلِّ وقتٍ، فيُفهم منه: ما عدا الشهر المحرَّم.
وتبقى النصوص المحكمة الظاهرة الصريحة، المؤكّدةُ بأنواع المؤكِّدات، سالمةً على ظاهرها، من غير معارِضٍ، وتجتمعُ النُّصوص عليه بلا إشكال.
والله أعلم، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحابته أجمعين.