(2) سنة الدعوة أن الطاغوت يفرض المعركة فرضًا على الجماعة المسلمة. إن عقيدة التوحيد خطر على سلطان الطواغيت ومصالحهم. إن الطواغيت لا يرضيهم أن يكون للإيمان في الأرض وجود ممثل في جماعة من الناس لا تدين للطاغوت. إن وجود جماعة مسلمة كهذه يهدد الطواغيت؛ حتى لو انعزلت هذه الجماعة في نفسها، وتركت الطواغيت لحكم الله حين يأتي موعده، وآثرت هي ألا تخوض المعركة. فعندما يشعر التجمع الجاهلي بالخطر الذي يتهدد وجوده سواء على المستوى العقائدي أو على المستوى الواقعي؛ فعندئذ يسفر التجمع الجاهلي عن حقيقة موقفه تجاه دعوة الإسلام؛ إنها المعركة بين وجودين لا يمكن أن يكون بينهما تعايش أو سلام.
"عناد ومقاومة لعقيدة التوحيد"
إن دعوة الرسل على مدار الزمان إنما كانت تقوم على توحيد الله وتنحية الأرباب الزائفة، وإخلاص الدين لله - أي إخلاص الدينونة لله، وإفراده سبحانه بالربوبية، أي الحاكمية والسلطان - ومن ثم تصطدم اصطدامًا مباشرًا بالقاعدة التي تقوم عليها الجاهلية، وتصبح بذاتها خطرًا على وجود الجاهلية، وبخاصة حين تتمثل دعوة الإسلام في تجمع خاص، يُؤخذ أفراده من التجمع الجاهلي، وينفصل بهم عن الجاهلية من ناحية الاعتقاد، ومن ناحية القيادة ومن ناحية الولاء .. الأمر الذي لا بد منه للدعوة الإسلامية في كل مكان وفي كل زمان ..
وعندما يشعر التجمع الجاهلي - بوصفه كيانًا عضويًا واحدًا متساندًا - بالخطر الذي يتهدد قاعدة وجوده من الناحية الاعتقادية، كما يتهدد وجوده بتمثل الاعتقاد الإسلامي في تجمع آخر منفصل عنه ومواجه له .. فعندئذ يسفر التجمع الجاهلي عن حقيقة موقفه تجاه دعوة الإسلام!
إنها المعركة بين وجودين لا يمكن أن يكون بينهما تعايش أو سلام! المعركة بين تجمعين عضويين، كل منهما يقوم على قاعدة مناقضة تمامًا للقاعدة التي يقوم عليها التجمع الآخر. فالتجمع الجاهلي يقوم على قاعدة تعدد الآلهة، أو تعدد الأرباب، ومن ثم يدين فيه العباد للعباد. والتجمع الإسلامي يقوم على قاعدة وحدانية الألوهية ووحدانية الربوبية، ومن ثم لا يمكن فيه دينونة العباد للعباد.
إن عقيدة التوحيد خطر على سلطان الطواغيت ومصالحهم في كل زمان. لا في زمن الجاهلية الأولى، ولكن في زمن كل جاهلية ينحرف الناس فيها عن التوحيد المطلق، في أية صورة من صور الانحراف، فيسلمون قيادهم إلى كبرائهم، وينزلون لهم عن حرياتهم وشخصياتهم، ويخضعون لأهوائهم ونزواتهم، ويتلقون شريعتهم من أهواء هؤلاء الكبراء لا من وحي الله .. عندئذ تصبح الدعوة إلى توحيد الله خطرًا على الكبراء يتقونه بكل وسيلة.
إن الطواغيت لا يرضيهم أن يكون للإيمان في الأرض وجود ممثل في جماعة من الناس لا تدين للطاغوت .. إن وجود جماعة مسلمة في الأرض، لا تدين إلا لله، ولا تعترف بسلطان إلا سلطانه، ولا تحكم في حياتها شرعًا إلا شرعه، ولا تعترف بسلطان إلا سلطانه، ولا تحكم في حياتها شرعًا إلا شرعه، ولا تتبع في حياتها منهجًا إلا منهجه. إن وجود جماعة مسلمة كهذه يهدد سلطان الطواغيت- حتى لو انعزلت هذه الجماعة في نفسها، وتركت الطواغيت لحكم الله حين يأتي موعده.
إن الطاغوت يفرض المعركة فرضًا على الجماعة المسلمة .. حتى لو آثرت هي ألا تخوض معه المعركة .. إن وجود الحق في ذاته يزعج الباطل. وهذا الوجود ذاته هو الذي يفرض عليه المعركة مع الباطل .. إنها سنة الله لابد أن تجري .. {لَنُخْرِجَنَّكَ يَا شُعَيْبُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَكَ مِنْ قَرْيَتِنَا أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنَا} ..