فهرس الكتاب

الصفحة 113 من 246

إن دعوة الإسلام إلى التوحيد، وعبادة الله الواحد، لم تكن قضية كلامية. أو عقيدة لاهوتية فحسب، شأن غيره من النحل والملل، بل الأمر أنها كانت دعوة إلى انقلاب اجتماعي أرادت في أول ما أرادت أن تقطع دابر الذين تسنموا ذروة الألوهية، واستعبدوا الناس بحيلهم ومكايدهم المختلفة. فمنهم من تبوأ مناصب السدنة والكهانة، ومنهم من استأثر بالملك والإمرة، وتحكم في رقاب الناس، ومنهم من استبد بمنابع الثروة وخيرات الأرض؛ وجعله الناس كإله عليهم يتكففون ولا يجدون ما يتبلغون به، فأرادت دعوة الإسلام أن تقطع دابرهم جميعًا وتستأصل شأفتهم استئصالًا .. وهؤلاء تارة تسنموا قمة الألوهية جهرًا وعلانية، وأرادوا أن يقهروا من حولهم من الناس على أن يذعنوا لأمرهم؛ وينقادوا لجبروتهم، مستندين إلى حقوقهم التي ورثوها من آبائهم؛ أو استأثرت بها الطبقة التي ينتمون إليها فقالوا: {ما علمت لكم من إله غيري} {أنا ربكم الأعلى} .. {وأنا أحيي وأميت} .. و {من أشد منا قوة} .. إلى غيرها من كلمات الاستكبار ودعاوى الألوهية التي تفوهوا بها وتجاسروا عليها بغيًا وعدوانًا .. وطورًا استغلوا جهل الدهماء وسفههم، فاتخذوا من الأصنام والتماثيل والهياكل آلهة، يدعون الناس ويريدونهم على أداء مظاهر العبودية أمام هذه التماثيل والهياكل متوارين بأنفسهم من ورائها يلعبون بعقول الناس ويستعبدونهم لأغراضهم، وشهواتهم وهم لا يشعرون!

فيتبين من ذلك أن دعوة الإسلام إلى التوحيد. وإخلاص العبادة لله الواحد الأحد، وتنديده بالكفر والشرك بالله، واجتناب الأوثان والطواغيت .. كل ذلك يتنافى ويتعارض مع الحكومة والعاملين عليها المتصرفين في أمورها، والذين يجدون فيها سندًا لهم، وعونًا على قضاء حاجاتهم وأغراضهم .. ومن ثم ترى أنه كلما قام نبي من الأنبياء يجاهر الناس بالدعوة، وخاطبهم قائلًا: {يا قوم اعبدوا الله ما لكم من إله غيره} .. قامت في وجهه الحكومات المتمكنة في عصره، وثار عليه جميع من كانوا يستغلون خيرات البلاد ويستثمرونها ظلمًا وعدوانًا .. خرجت تقاومه، وتضع في سبيل الدعوة العقبات.

إن الذي يحول دون تحول هذه المجتمعات إلى النظام الإسلامي هو وجود الطواغيت التي تأبى أن تكون الحاكمية لله؛ فتأبى أن تكون الربوبية في حياة البشر والألوهية في الأرض لله وحده. وتخرج بذلك من الإسلام خروجًا كاملًا. يعد الحكم عليه من المعلوم من الدين بالضرورة .. ثم هو بعد ذلك وجود جماهير من البشر تعبد أولئك الطواغيت من دون الله - أي تدين لها وتخضع وتتبع - فتجعلها بذلك أربابًا متفرقة معبودة مطاعة. وتخرج هذه الجماعة بهذه العبادة من التوحيد إلى الشرك .. فهذا أخص مدلولات الشرك في الإسلام.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت