إن معنى إعلان دعوة التوحيد لم يغب عن الطغاة .. فحينما أعلن موسى للطاغية فرعون: {إني رسول من رب العالمين} .. لم يغب عن فرعون وملئه معنى هذا الإعلان .. إعلان ربوبية الله للعالمين. لم يغب عنهم أن هذا الإعلان يحمل في طياته هدم ملك فرعون. وقلب نظام حكمه؛ وإنكار شرعيته؛ وكشف عدوانه وطغيانه .. إن إعلان ربوبية الله للعالمين هي بذاتها إعلان تحرير الإنسان؛ تحريره من الخضوع والطاعة والتبعية والعبودية لغير الله. تحريره من شرع البشر؛ ومن هوى البشر؛ ومن تقاليد البشر؛ ومن حكم البشر .. وإعلان ربوبية الله للعالمين لا يجتمع مع خضوع أحد من العالمين لغير الله؛ ولا يجتمع مع حاكمية أحد بشريعة من عنده للناس .. والذين يظنون أنهم مسلمون بينما هم خاضعون لشريعة من صنع البشر- أي لربوبية غير ربوبية الله - واهمون إذا ظنوا لحظة واحدة أنهم مسلمون! أنهم لا يكونون في دين الله لحظة واحدة وحاكمهم غير الله، وقانونهم غير شريعة الله. إنهم في دين حاكمهم ذاك، في دين الملك لا في دين الله .. وكذلك لم يغب عن الطاغية فرعون دعوى إعلان التوحيد والربوبية لله رب العالمين .. ولكن هل يستسلم فرعون وملؤه لهذه الدعوى الخطيرة؟ وهل يستسلمون لربوبية رب العالمين؟ وعلام إذن يقوم عرش فرعون وتاجه وملكه وحكمه؟ وعلام يقوم الملأ من قومه ومراكزهم التي هي من عطاء فرعون ورسمه وحكمه؟ علام يقوم هذا إن كان الله هو"رب العالمين"؟ إنه إن كان الله هو"رب العالمين"فلا حكم إلا لشريعة الله، ولا طاعة إلا لأمر الله، فأين يذهب شرع فرعون وأمره إذن، وهو لا يقوم على شريعة الله ولا يرتكن إلى أمره؟ إن الناس لا يكون لهم"رب"آخر يعبدهم لحكمه وشرعه وأمره، إن كان الله هو ربهم، إنما يخضع الناس لشرع فرعون وأمره حين يكون ربهم فرعون، فالحاكم - بأمره وشرعه - هو رب الناس. وهم في دينه أيًا كان.
كلا! إن الطاغوت لا يستسلم هكذا من قريب .. ولا يسلم ببطلان حكمه وعدم شرعية سلطانه بمثل هذه السهولة!
وفرعون وملؤه لا يخطئون فهم مدلول هذه الحقيقة الهائلة التي يعلنها موسى. بل إنهم ليعلنونها صريحة .. ولكن مع تحويل الأنظار عن دلالتها الخطيرة، باتهام موسى بأنه ساحر عليم. {قَالَ الْمَلأ مِنْ قَوْمِ فِرْعَوْنَ إِنَّ هَذَا لَسَاحِرٌ عَلِيمٌ (109) يُرِيدُ أَنْ يُخْرِجَكُمْ مِنْ أَرْضِكُمْ فَمَاذَا تَامُرُونَ} ..
إنهم يصرحون بالنتيجة الهائلة التي تتقرر من إعلان تلك الحقيقة .. إنها الخروج من الأرض .. إنها ذهاب السلطان .. إنها إبطال شرعية الحكم .. أو .. محاولة قلب نظام الحكم بالتعبير العصري الحديث! ..
إن الأرض لله. والعباد لله. فإذا ردت الحاكمية في أرض لله، فقد خرج منها الطغاة، الحاكمون بغير شرع الله! أو خرج منها الأرباب المتألهون الذين يزاولون خصائص الألوهية بتعبيد الناس لشريعتهم وأمرهم. وخرج منها الملأ الذين يوليهم الأرباب المناصب والوظائف الكبرى فيعبدون الناس لهذه الأرباب.