هكذا أدرك فرعون وملؤه خطورة هذه الدعوة .. وكذلك يدركها الطواغيت في كل مرة. لقد قال الرجل العربي بفطرته وسليقته - حين سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يدعو الناس إلى شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله:"هذا أمر تكرهه الملوك".. وقال له رجل آخر من العرب بفطرته وسليقته:"إذن تحاربك العرب والعجم".. لقد كان هذا العربي وذاك يفهم مدلولات لغته. كان يفهم أن شهادة أن لا إله إلا الله ثورة على الحاكمين بغير شرع الله عربًا كانوا أم عجمًا! كانت لشهادة أن لا إله إلا الله جديتها في حس هؤلاء العرب لأنهم كانوا يفهمون مدلول لغتهم جيدًا. فما كان أحد منهم يفهم أنه يمكن أن تجتمع في قلب واحد، ولا في أرض واحدة، شهادة أن لا إله إلا الله، مع الحكم بغير شرع الله فيكون هناك آلهة مع الله! ما كان أحد منهم يفهم شهادة أن لا إله إلا الله كما يفهمها اليوم من يدعون أنفسهم"مسلمين"ذلك الفهم الباهت التافه الهزيل! وكل ما عرف من طغيان فرعون، فقد كان في تصرفه هذا أقل طغيانًا من طواغيت كثيرة في القرن العشرين، في مواجهة دعوة الدعاة إلى ربوبية رب العالمين! وتهديد السلطان الباطل بهذه الدعوة الخطيرة.
إن المسألة واضحة المعالم. إن دعوة موسى إلى"رب العالمين"هي التي تزعج وتخيف .. إنه لا بقاء ولا قرار لحكم الطواغيت مع الدعوة إلى رب العالمين. وهم إنما يقوم ملكهم على تنحية ربوبية الله للبشر، بتنحية شريعته وإقامة أنفسهم أربابًا من دون الله يشرعون للناس ما يشاءون، ويعبدون الناس لما يشرعون! .. إنهما منهجان لا يجتمعان. أو هما دينان لا يجتمعان .. أو هما ربان لا يجتمعان. وفرعون كان يعرف، وملؤه كانوا يعرفون. ولقد فزعوا للدعوة من موسى وهارون إلى رب العالمين.
ونقف بعد ذلك أمام حقيقة يجب أن يدركها المؤمنون .. حقيقة المعركة بينهم وبين الطواغيت .. {وما نقموا منهم إلا أن يؤمنوا بالله العزيز الحكيم} {وما تنقم منا إلا أن آمنا بآيات ربنا لما جاءتنا} ..
بعد أن أشرق نور الإيمان في قلوب سحرة فرعون وجعل لهم فرقانًا في تصورهم .. أدرك السحرة أن المعركة بينهم وبين فرعون وملئه هي معركة العقيدة، وإنه لا ينقم منهم إلا إيمانهم برب العالمين. فهذا الإيمان على هذا النحو يهدد عرش فرعون وملكه وسلطانه، ويهدد مراكز الملأ من قومه وسلطانهم المستمد من سلطان فرعون. أو بتعبير آخر مرادف: من ربوبية فرعون، ويهدد القيم التي يقوم عليها المجتمع الوثني كله.
وهذا الإدراك لطبيعة المعركة ضرورة لكل من يتصدى للدعوة إلى ربوبية الله وحده الذي أهل هؤلاء المؤمنين للاستهانة بما يلقونه في سبيله .. إنهم يقدمون على الموت مستهينين، ليقينهم بأنهم هم المؤمنون برب العالمين؛ وأن عدوهم على دين غير دينهم؛ لأنه بمزاولته للسلطان وتعبيد الناس لأمره ينكر ربوبية رب العالمين .. فهو إذن من الكافرين .. وما يمكن أن يمضي المؤمنون في طريق الدعوة إلى رب العالمين- على ما ينتظرهم فيها من التعذيب والتنكيل - إلا بمثل هذا اليقين بشقيه: أنهم هم المؤمنون، وأن أعداءهم الكافرون، وأنهم إنما يحاربونهم على الدين، وما ينقمون منهم إلا الدين.
إن فرعون لم يكن يدعي الألوهية بمعنى أنه هو خالق هذا الكون ومدبره؛ أو أن له سلطانًا في عالم الأسباب الكونية .. إنما كان يدعي الألوهية على شعبه بمعنى أنه هو حاكم هذا الشعب بشريعته وقانونه، وأنه بإرادته وأمره تمضي الشؤون وتقضى الأمور: