فهرس الكتاب

الصفحة 128 من 246

والقاعدة النظرية التي يقوم عليها الإسلام ـ على مدار التاريخ البشري ـ هي قاعدة:"شهادة أن لا إله لا إلا الله". أي إفراد الله ـ سبحانه ـ بالألوهية والربوبية والقوامة والسلطان والحاكمية .. إفراده بها اعتقادًا في الضمير، وعبادة في الشعائر، وشريعة في واقع الحياة. فشهادة أن لا إله إلا الله، لا توجد فعلًا، ولا تعتبر موجودة شرعًا إلا في هذه الصورة المتكاملة التي تعطيها وجودا جديًا حقيقيًا يقوم عليه اعتبار قائلها مسلمًا أو غير مسلم ...

ومعنى تقرير هذه القاعدة من الناحية النظرية .. أن تعود حياة البشر بجملتها إلى الله، لا يقضون هم في أي شأن من شئونها، ولا في أي جانب من جوانبها، من عند أنفسهم، بل لا بد لهم أن يرجعوا إلى حكم الله فيها ليتبعوه .. وحكم الله هذا يجب أن يعرفوه من مصدر واحد يبلغهم إياه، وهو رسول الله صلى الله عليه وسلم وهذا يتمثل في شطر الشهادة الثاني من ركن الإسلام الأول:"شهادة أن محمدًا رسول الله".

هذه هي القاعدة النظرية التي يتمثل فيها الإسلام ويقوم عليها ـ وهي تنشئ منهجًا كاملًا للحياة حين تطبق في شؤون الحياة كلها، يواجه به المسلم كل فرع من فروع الحياة الفردية والجماعية، في داخل دار الإسلام وخارجها، في علاقاته بالمجتمع المسلم وفي علاقات المسلم بالمجتمعات الأخرى [1] .

ولكن الإسلام ـ كما قلنا ـ لم يكن يملك أن يتمثل في"نظرية"مجردة، ليعتنقها من يعتنقها اعتقادًا ويزاولها عبادة، ثم يبقى معتنقوها على هذا النحو أفرادًا ضمن الكيان العضوي للتجمع الحركي الجاهلي القائم فعلًا، فإن وجودهم على هذا النحو ـ مهما كثر عددهم ـ لا يمكن أن يؤدي إلى"وجود فعلي"للإسلام. لأن الأفراد"المسلمين نظريًا"الداخلين في التركيب العضوي للمجتمع الجاهلي سيظلون مضطرين حتمًا للاستجابة لمطالب هذا المجتمع العضوية، سيتحركون طوعًا أو كرهًا، بوعي أو بغير وعي لقضاء الحاجات الأساسية لحياة هذا المجتمع الضرورية لوجوده وسيدافعون عن كيانه، وسيدفعون العوامل التي تهدد وجوده وكيانه، لأن الكائن العضوي يقوم بهذه الوظائف بكل أعضائه سواء أرادوا أم لم يريدوا أي أن الأفراد المسلمين نظريًا سيظلون يقومون"فعلًا"بتقوية المجتمع الجاهلي الذي يعملون"نظريًا"لإزالته، وسيظلون خلايا حية في كيانه تمده بعناصر البقاء والامتداد وسيعطونه كفاياتهم وخبراتهم ونشاطهم ليحيا ويقوى، وذلك بدلًا من أن تكون حركتهم في اتجاه تقويض هذا المجتمع الجاهلي، لإقامة المجتمع الإسلامي.

ومن ثم لم يكن بد أن تتمثل القاعدة النظرية للإسلام (أي العقيدة) في تجمع عضوي حركي منذ اللحظة الأولى .. لم يكن بد أن ينشأ تجمع عضوي حركي آخر غير التجمع الجاهلي، منفصل ومستقل عن التجمع العضوي الحركي الجاهلي الذي يستهدف الإسلام إلغاءه، وأن يكون محور هذا التجمع الجديد هو القيادة الجديدة المتمثلة في رسول الله صلى الله عليه وسلم ومن بعده في كل قيادة إسلامية تستهدف رد الناس إلى ألوهية الله وحده وربوبيته وقوامته وحاكميته وسلطانه وشريعته ـ وأن يخلع كل من يشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله ولاءه من التجمع العضوي الحركي الجاهلي ـ أي التجمع الذي جاء منه ـ ومن قيادة ذلك التجمع ـ في أية صورة كانت، سواء كانت في صورة قيادة دينية من الكهنة والسدنة والسحرة والعرافين ومن إليهم؛ أو في صورة قيادة سياسية واجتماعية اقتصادية كالتي كانت لقريش، وأن يحصر ولاءه في التجمع العضوي الحركي الإسلامي الجديد وفي قيادته المسلمة.

(1) يراجع فصل: لا إله إلا الله منهج حياة"في كتاب:"معالم في الطريق"."دار الشروق"."

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت