لم يكن بد أن يتحقق هذا منذ اللحظة الأولي لدخول المسلم في الإسلام، ولنطقه بشهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله، لأن وجود المجتمع المسلم لا يتحقق إلا بهذا، لا يتحقق بمجرد قيام القاعدة النظرية في قلوب أفراد مهما تبلغ كثرتهم، لا يتمثلون في تجمع عضوي متناسق متعاون، له وجود ذاتي مستقل، يعمل أعضاؤه عملًا عضويًا ـ كأعضاء الكائن الحي ـ على تأصيل وجوده وتعميقه وتوسيعه، وعلى الدفاع عن كيانه ضد العوامل التي تهاجم وجوده وكيانه، ويعملون في هذا تحت قيادة مستقلة عن قيادة المجتمع الجاهلي تنظم تحركهم وتنسقه، وتوجهه لتأصيل وتعميق وتوسيع وجودهم الإسلامي، ولمكافحة ومقاومة وإزالة الوجود الآخر الجاهلي.
وهكذا وجد الإسلام .. هكذا وجد متمثلا في قاعدة نظرية مجملة ـ ولكنها شاملة ـ يقوم عليها في نفس اللحظة تجمع عضوي حركي مستقل منفصل عن المجتمع الجاهلي ومواجه لهذا المجتمع .. ولم يوجد قط في صورة"نظرية"مجردة عن هذا الوجود الفعلي .. وهكذا يمكن أن يوجد الإسلام مرة أخرى .. ولا سبيل لإعادة نشأته في ظل المجتمع الجاهلي في أي زمان وفي أي مكان، بغير الفقه الضروري لطبيعة نشأته العضوية الحركية.
وحين ندرك طبيعة هذه النشأة وأسرارها الفطرية، وندرك معها طبيعة هذا الدين وطبيعة منهجه الحركي في تنظيم المجتمع المسلم وتنظيم علاقاته .. ندرك أنها كلها تقوم على أساس ذلك الفقه بطبيعة النشأة العضوية الحركية للمجتمع الإسلامي