فهرس الكتاب

الصفحة 140 من 246

والمقت الذي يكبر (عند الله) .. هو أكبر المقت وأشد البغض وأنكر النكر .. وهذا غاية التفظيع لأمر، وبخاصة في ضمير المؤمن، الذي ينادى بإيمانه، والذي يناديه ربه الذي آمن به.

والآية الثالثة تشير إلى الموضوع المباشر الذي قالوا فيه ما لم يفعلوا .. وهو الجهاد .. وتقرر ما يحبه الله فيه ويرضاه:

{إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفًّا كَأَنَّهُمْ بُنْيَانٌ مَرْصُوصٌ} ..

فليس هو مجرد القتال. ولكنه هو القتال في سبيله. والقتال في تضامن مع الجماعة المسلمة داخل الصف. والقتال في ثبات وصمود {صَفًّا كَأَنَّهُمْ بُنْيَانٌ مَرْصُوصٌ} ..

إن القرآن-كما قلنا في مناسبات متعددة في هذا الجزء- كان يبنى أمة. كان يبنيها لتقوم على أمانة دينه في الأرض، ومنهجه في الحياة، ونظامه في الناس. ولم يكن بد أن يبنى نفوسها أفرادًا ويبنيها جماعة، ويبنيها عملًا واقعًا .. كلها في آن واحد .. فالمسلم لا يبنى فردًا إلا في جماعة. ولا يتصور الإسلام قائمًا إلا في محيط جماعة منظمة ذات ارتباط، وذات نظام، وذات هدف جماعي منوط في الوقت ذاته بكل فرد فيها. هو إقامة هذا المنهج الإلهي في الضمير وفي العمل مع إقامته في الأرض. وهو لا يقوم في الأرض إلا في مجتمع يعيش ويتحرك ويعمل وينتج في حدود ذلك المنهج الإلهي.

والإسلام على شدة ما عنى بالضمير الفردي وبالتبعة الفردية- ليس دين أفراد منعزلين، كل واحد منهم يعبد الله في صومعة ... إن هذا لا يحقق الإسلام في ضمير الفرد ذاته، ولا يحققه بطبيعة الحال في حياته.

ولم يجيء الإسلام لينعزل هذه العزلة. إنما جاء ليحكم حياة البشرية ويصرفها. ويهيمن على كل نشاط فردى وجماعي في كل اتجاه. والبشرية لا تعيش أفرادًا إنما تعيش جماعات وأمما. والإسلام جاء ليحكمها وهى كذلك وهو مبنى على أساس أن البشر يعيشون هكذا. ومن ثم فإن آدابه وقواعده ونظمه كلها مصوغة على هذا الأساس.

وحين يوجه اهتمامه إلى ضمير الفرد فهو يصوغ هذا الضمير على أساس انه يعيش في جماعة. وهو والجماعة التي يعيشون فيها يتجهون إلى الله، ويقوم- فيها- على أمانة دينه في الأرض، ومنهجه في الحياة، ونظامه في الناس.

ومنذ اليوم الأول للدعوة قام مجتمع إسلامي- أو جماعة مسلمة-ذات قيادة مطاعة هي قيادة رسول الله- صلى الله عليه وسلم- وذات التزامات جماعية بين أفرادها، وذات كيان يميزها عن سائر الجماعات حولها، وذات آداب تتعلق بضمير الإنسان مراعى فيها- في الوقت ذاته- حياة هذه الجماعة .. وذلك كله قبل أن تقوم الدولة المسلمة في المدينة. بل إن قيام تلك الجماعة كان هو وسيلة إقامة الدولة في المدينة.

وننظر في هذه الآيات الثلاث فترى امتزاج الخلق الفردي بالحاجة الجماعية، في ظل العقيدة الدينية، وطبيعتها التي تقتضى تحقيقها في الحياة البشرية في صورة نظام يقوم عليه من يحرسه ويتولاه.

إن الآيتين الأوليين تتضمنان العقاب من الله سبحانه والاستنكار لأن يقول الذين آمنوا ما لا يفعلون ..

وهما بهذا ترسمان الجانب الأصيل في شخصية المسلم .. الصدق .. والاستقامة. وأن يكون باطنه كظاهره. وأن يطابق فعله قوله .. إطلاقًا .. وفي حدود أبعد مدى من موضوع القتال الذي يجيء في الآية الثالثة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت