فهرس الكتاب

الصفحة 141 من 246

وهذه السمة في شخصية المسلم يدق القرآن عليها كثيرًا، وتتابعها السنة في تكرار يزيدها توكيدًا: يقول الله تعالى منددا باليهود: {أَتَامُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ وَأَنْتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ أَفَلَا تَعْقِلُونَ} .. ويقول تعالى منددا بالمنافقين: {وَيَقُولُونَ طَاعَةٌ فَإِذَا بَرَزُوا مِنْ عِنْدِكَ بَيَّتَ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ غَيْرَ الَّذِي تَقُولُ؟} .. ويقول فيهم كذلك: «وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيُشْهِدُ اللَّهَ عَلَى مَا فِي قَلْبِهِ وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصَامِ (204) وَإِذَا تَوَلَّى سَعَى فِي الْأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيهَا وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الْفَسَادَ» .. ويقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: «آية المنافق ثلاث: إذا حدث كذب، وإذا وعد أخلف، وإذا اؤتمن خان» [1] . والأحاديث في هذا المعنى كثيرة. ولعل الحديث الذي سنذكره هنا من أدق وألطف التوجيهات النبوية الكريمة في هذا الاتجاه .. روى الإمام أحمد وأبو داود عن عبد الله بن عامر بن ربيعة قال: أتانا رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنا صبى، فذهبت لأخرج لألعب. فقالت أمي: يا عبد الله تعال أعطك. فقال لها رسول الله صلى الله عليه وسلم: «وما أردت أن تعطيه.» فقالت: تمرًا. فقال: «أما إنك لو لم تفعلي كتبت عليك كذبة» .. ولعله استقاء من هذا النبع النبوي الطاهر الرائق امتنع الإمام أحمد بن حنبل- رضي الله عنه- من الرواية من رجل سافر إليه مسافات شاسعة ليأخذ عنه حديثًا. حينما وجده يضم حجره ويدعو بغلته يوهمها بطعام وحجره فارغ. فتحرج أن يروى عنه، وقد كذب على بغلته.

فهذا بناء أخلاقي دقيق نظيف لضمير المسلم وشخصيته التي تليق بمن يقوم أمينًا على منهج الله في الأرض. وهو الأمر الذي تقرره هذه السورة. وهذه حلقة من حلقات التربية في الجماعة المسلمة التي يعدها الله لتقوم على هذا الأمر.

فإذا جئنا للموضوع المباشر الذي كانت هذه الآيات تواجهه عند تزولها .. وهو موضوع الجهاد .. فإننا نقف أمام موضوعات شتى للحديث والملاحظة والعبرة.

نقف أولًا أمام النفس البشرية التي تلم بها لحظات الضعف الطارئة، فلا يعصمها منها إلا عون الله، وإلا التذكير الدائم، والتوجيه الدائم، والتربية الدائمة .. هؤلاء جماعة من المسلمين قيل في بعض الروايات: إنهم من المهاجرين الذين كانوا يتمنون أن يأذن الله لهم في القتال وهم في مكة من شدة الحماس والاندفاع. وكانوا يؤمرون بكف أيديهم وإقامة الصلاة وإيتاء الزكاة «فلما كتب عليهم القتال» في المدينة في الوقت المناسب الذي قدره الله «إذا فريق منهم يخشون الناس كخشية الله أو أشد خشية، وقالوا: ربنا لم كتبت علينا القتال؟ لولا أخرتنا إلى أجل قريب.» .. أو هم جماعة من المسلمين في المدينة كانوا يسألون عن أحب الأعمال إلى الله ليفعلوه فلما أمروا بالجهاد كرهوه.

وهذه الوقفة كفيلة بأن تفتح أعيننا على ضرورة الموالاة للنفس البشرية بالتقوية والتثبيت والتوجيه، وهى تواجه التكاليف الشاقة، لتستقيم في طريقها، وتتغلب على لحظات ضعفها، وتتطلع دائمًا إلى الأفق البعيد. كما تلهمنا أن نتواضع في طلب التكاليف وتمنيها ونحن في حالة العافية. فلعلنا لا نقوى على ما نقترح على الله حين يكلفنا إياه. وهؤلاء جماعة من المسلمين الأوائل يضعفون ويقولون ما لا يفعلون، حتى يعاتبهم الله هذا العتاب الشديد، وينكر عليهم هذا الإنكار المخيف.

(1) رواه الشيخان والترمذي والنسائي عن أبي هريرة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت