فهرس الكتاب

الصفحة 142 من 246

ونقف ثانية أمام حب الله للذين يقاتلون في سبيله صفًا كأنهم بنيان مرصوص .. نقف أمام هذا الإغراء القوى العميق على القتال في سبيل الله .. وأول ما يسجل هنا انه كان لمواجهة حالة تقاعس وتخلف وكراهية للقتال. ولكن هذا السبب الغريب في الحادث المحدود لا ينفي أن الحض عام، وأن وراءه حكمة دائمة.

إن الإسلام لا يتشهى القتال، ولا يريده حبا فيه. ولكنه يفرضه لأن الواقع يحتمه، ولأن الهدف الذي وراءه كبير. فالإسلام يواجه البشرية بالمنهج الإلهي في صورته الأخيرة المستقرة. وهذا المنهج- ولو أنه يلبي الفطرة المستقيمة- إلا أنه يكلف النفوس جهدا لتسمو إلى مستواه، ولتستقر على هذا المستوى الرفيع. وهناك قوى كثيرة في هذه الأرض لا تحب لهذا المنهج أن يستقر، لأنه يسلبها كثيرًا من الامتيازات، التي تستند إلى قيم باطلة زائفة، يحاربها هذا المنهج ويقضى عليها حين يستقر في حياة البشر. وهذه القوى تستغل ضعف النفوس عن البقاء في المستوى الإيماني وتكاليفه، كما تستغل جهل العقول، وموروثات الأجيال، لتعارض هذا المنهج وتقف في طريقه. والشر عارم. والباطل متبجح. والشيطان لئيم. ومن ثم يتعين على حملة الإيمان وحراس المنهج أن يكونوا أقوياء ليغلبوا عملاء الشر وأعوان الشيطان. أقوياء في أخلاقهم، وأقوياء في قتال خصومهم على السواء. ويتعين عليهم أن يقاتلوا عندما يصبح القتال هو الأداة الوحيدة لضمان حرية الدعوة للمنهج الجديد، وحرية الاعتقاد به، وحرية العمل وفق نظامه المرسوم.

وهم يقاتلون في سبيل الله .. لا في سبيل ذواتهم أو عصبيتهم من أي لون .. عصيبة الجنس وعصبية الأرض وعصبية العشيرة وعصبية البيت ... في سبيل الله وحده، لتكون كلمة الله هي العليا. والرسول صلى الله عليه وسلم يقول: «من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا فهو في سبيل الله» [1] .

وكلمة الله هي التعبير عن إرادته. وإرادته الظاهرة لنا- نحن البشر- هي التي تتفق مع الناموس الذي يسير عليه الكون كله. الكون الذي يسبح بحمد ربه. ومنهج الله في صورته الأخيرة التي جاء بها الإسلام هو الذي يتناسق مع ذلك الناموس، ويجعل الكون كله- والناس من ضمنه- يحكمون بشريعة الله. لا بشريعة يضعها سواه.

ولم يكن بد أن يقاومه أفراد، وأن تقاومه طبقات، وان تقاومه دول. ولم يكن بد كذلك أن يمضى الإسلام في وجه هذه المقاومة، ولم يكن بد أن يكتب الجهاد على المسلمين لنصرة هذا المنهج، وتحقيق كلمة الله في الأرض ولهذا أحب الله سبحانه الذين يقاتلون في سبيله صفًا كأنهم بنيان مرصوص. ونقف ثالثًا أمام الحالة التي يحب الله للمجاهدين أن يقاتلوا وهم عليها: «صفًا كأنهم بنيان مرصوص» .. فهو تكليف فردى في ذاته، ولكنه فردى في صورة جماعية. في جماعة ذات نظام. ذلك أن الذين يواجهون الإسلام يواجهونه بقوى جماعية، ويؤلبون عليه تجمعات ضخمة، فلا بد لجنود الإسلام أن يواجهوا أعداءه صفًا. صفًا سويا منتظما، وصفا متينا راسخا ذلك إلى أن طبيعة هذا الدين حين يغلب ويهيمن أن يهيمن على جماعة، وان ينشئ مجتمعًا متماسكا ... متناسقا. فصورة الفرد المنعزل الذي يعبد وحده، ويجاهد وحده ويعيش وحده، صورة بعيدة عن طبيعة هذا الدين. وعن مقتضياته في حالة الجهاد، وفي حالة الهيمنة بعد ذلك على الحياة.

(1) أخرجه الخمسة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت