فهرس الكتاب

الصفحة 147 من 246

وهنا في هذه الآيات يصور خصائص هذه الجماعة التي تطبعها وتميزها، ومع أن هذه الآيات مكية، نزلت قبل قيام الدولة المسلمة في المدينة، فإننا نجد فيها أن من صفة هذه الجماعة المسلمة: {وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ} .. مما يوحي بأن وضع الشورى أعمق في حياة المسلمين من مجرد أن تكون نظامًا سياسيًا للدولة، فهو طابع أساسي للجماعة كلها، يقوم عليه أمرها كجماعة، ثم يتسرب من الجماعة إلى الدولة، بوصفها إفرازا طبيعيًا للجماعة، كذلك نجد من صفة هذه الجماعة: {َالَّذِينَ إِذَا أَصَابَهُمُ الْبَغْيُ هُمْ يَنْتَصِرُونَ} .. مع أن الأمر الذي كان صادرًا للمسلمين في مكة هو أن يصبروا وألا يردوا العدوان بالعدوان، إلى أن صدر لهم أمر آخر بعد الهجرة وأذن لهم في القتال، وقيل لهم: {أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ} وذكر هذه الصفة هنا في آيات مكية بصدد تصوير طابع الجماعة المسلمة يوحى بأن صفة الانتصار من البغي صفة أساسية ثابتة، وان الأمر الأول بالكف والصبر كان أمرًا استثنائيا لظروف معينة. وأنه لما كان المقام هنا مقام عرض الصفات الأساسية للجماعة المسلمة ذكر منها هذه الصفة الأساسية الثابتة، ولو أن الآيات مكية، ولم يكن قد أذن لهم بعد في الانتصار من العدوان.

وذكر هذه الصفات المميزة لطابع الجماعة المسلمة، المختارة لقيادة البشرية وإخراجها من ظلام الجاهلية إلى نور الإسلام. ذكرها في سورة مكية وقبل أن تكون القيادة العملية في يدها فعلًا، جدير بالتأمل، فهي الصفات التي يجب أن تقوم أولًا، وان تتحقق في الجماعة لكي تصبح بها صالحة للقيادة العملية. ومن ثم ينبغي أن تتدبرها طويلًا .. ما هي؟ ما حقيقتها؟ وما قيمتها في حياة البشرية جميعًا؟

إنها الإيمان. والتوكل. واجتناب كبائر الإثم والفواحش. والمغفرة عند الغضب. والاستجابة لله. وإقامة الصلاة. والشورى الشاملة. والإنفاق مما رزق الله. والانتصار من البغي والعفو. والإصلاح. والصبر. فما حقيقة هذه الصفات وما قيمتها؟ يحسن أن نبين هذا ونحن نستعرض الصفات في نسقها القرآني. إنه يقف الناس أمام الميزان الإلهي الثابت لحقيقة القيم. القيم الزائلة والقيم الباقية، كي لا يختلط الأمر في نفوسهم، فيختل كل شيء في تقديرهم. ويجعل هذا الميزان مقدمة لبيان صفة الجماعة المسلمة:

{وَمَا أُوتِيتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَمَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَزِينَتُهَا وَمَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ وَأَبْقَى} ..

إن في هذه الأرض متاعا جذابا براقا، وهناك أرزاق وأولاد وشهوات ولذائذ وجاه وسلطان، وهناك نعم أتاها الله لعباده في الأرض تلطفا منه وهبة خالصة، لا يعلقها بمعصية ولا طاعة في هذه الحياة الدنيا، وإن كان يبارك للطائع ـ ولو في القليل ـ ويمحق البركة من العاصي ولو كان في يده الكثير.

ولكن هذا كله ليس قيمة ثابتة باقية، إنما هو متاع، متاع محدود الأجل، لا يرفع ولا يخفض، ولا يعد بذاته دليل كرامة عند الله أو مهانة، ولا يعتبر بذاته علامة رضي من الله أو غضب إنما هو متاع، {وَمَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ وَأَبْقَى} خير في ذاته وأبقى في مدته: فمتاع الحياة الدنيا زهيد حين يقاس إلى ما عند الله، ومحدود حين يقاس إلى الفيض المنساب. ومتاع الحياة الدنيا معدود الأيام، أقصى أمده للفرد عمر الفرد، وأقصى أمده للبشرية عمر هذه البشرية، وهو بالقياس إلى أيام الله ومضة عين أو تكاد.

وبعد تقرير هذه الحقيقة يأخذ في بيان صفة المؤمنين الذين يدخر الله لهم ما هو خير وأبقى ...

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت