ويبدأ بصفة الإيمان {وَمَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ وَأَبْقَى لِلَّذِينَ آَمَنُوا} .. وقيمة الإيمان أنه معرفة بالحقيقة الأولى والتي لا تقوم في النفس البشرية معرفة صحيحة لشيء في بهذا الوجود إلا عن طريقها، فمن طريق الإيمان بالله ينشأ إدراك لحقيقة هذا الوجود، وأنه من صنع الله، وبعد إدراك هذه الحقيقة يستطيع الإنسان أن يتعامل مع الكون وهو يعرف طبيعته كما يعرف قوانينه التي تحكمه، ومن ثم ينسق حركته هو مع حركة هذا الوجود الكبير، ولا ينحرف عن النواميس الكلية، فيسعد بهذا التناسق، ويمضي مع الوجود كله إلى بارئ الوجود في طاعة واستسلام وسلام، وهذه الصفة لازمة لكل إنسان، ولكنها ألزم ما تكون للجماعة التي تقود البشرية إلى بارئ الوجود.
وقيمة الإيمان كذلك الطمأنينة النفسية، والثقة بالطريق، وعدم الحيرة أو التردد، أو الخوف أو اليأس، وهذه الصفات لازمة لكل إنسان في رحلته على هذا الكوكب، ولكنها ألزم ما تكون للقائد الذي يرتاد الطريق، ويقود البشرية في بهذا الطريق.
وقيمة الإيمان التجرد من الهوى والغرض والصالح الشخصي وتحقيق المغانم، إذ يصبح القلب متعلقًا بهدف أبعد من ذاته، ويحس أن ليس له من الأمر شيء، إنما هي دعوة الله، وهو فيها أجير عند الله، وهذا الشعور ألزم ما يكون لمن توكل إليه مهمة القيادة كي لا يقنط إذا أعرض عنه القطيع الشارد أو أوذي في الدعوة، ولا يغتر إذا ما استجابت له الجماهير، أو دانت له الرقاب. فإنما هو أجير.
ولقد آمنت العصبة الأولى من المسلمين إيمانًا كاملًا أثر في نفوسهم وأخلاقهم وسلوكهم تأثيرًا عجيبا، وكانت صورة الإيمان في نفس البشرية قد بهتت وغمضت حتى فقدت تأثيرها في أخلاق الناس وسلوكهم، فلما أن جاء الإسلام أنشأ صورة للإيمان حية مؤثرة فاعلة تصلح بها هذه العصبة للقيادة التي وضعت على عاتقها.
{وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ}
والتعبير يجعل أمرهم كله شورى، ليصبغ الحياة كلها بهذه الصبغة، وهو كما قلنا نص مكي، كان قبل قيام الدولة الإسلامية، فهذا الطابع إذن أعم وأشمل من الدولة في حياة المسلمين، إنه طابع الجماعة الإسلامية في كل حالاتها، ولو كانت الدولة بمعناها الخاص لم تقم فيها بعد.
والواقع أن الدولة في الإسلام ليست سوى إفراز طبيعي للجماعة وخصائصها الذاتية. والجماعة تتضمن الدولة وتنهض وإياها بتحقيق المنهج الإسلامي وهيمنته على الحياة الفردية والجماعية.