فهرس الكتاب

الصفحة 186 من 246

(1) القرآن الكريم يربى الدعاة على حقائق التصور الإسلامي، ويردهم إلى سنن الله في الأرض، يردهم إلى الأصول التي تجري وفقها الأمور فهم ليسوا بدعًا في الحياة، فالنواميس التي تحكم الحياة جارية لا تتخلف والأمور لا تمضي جزافًا.

ولذلك كان على الدعاة أن يستوعبوا حقيقة العلاقة بين مشيئة الله وقدره وبين عمل الإنسان الذي من خلاله تتحقق هذه المشيئة، وكان على الدعاة أيضًا أن يكونوا على وعي عميق بالواقع المحيط بهم وبكل ما يحويه من فئات وطوائف تحيط بالدعوة من مسلمين ومنافقين وكتابيين بكل طوائفهم وأطيافهم.

القرآن يربى الدعاة على حقائق التصور الإسلامي: سنن الله في الأرض ونواميس الحياة: مداولة الأيام بين الناس، الابتلاء لتمحيص السرائر، امتحان الصبر على الشدائد، النصر للصابرين، المحق للمكذبين على مدار التاريخ.

بعد ذلك يبدأ السياق في الفقرة الثالثة من الاستعراض فيلمس أحداث المعركة ذاتها، ولكنه ما يزال يتوخى تقرير الحقائق الأساسية الأصيلة في التصور الإسلامي، ويجعل الأحداث مجرد محور ترتكن إليه هذه الحقائق.

وفي هذه الفقرة يبدأ بالإشارة إلى سنة الله الجارية في المكذبين، ليقول للمسلمين إن انتصار المشركين في هذه المعركة ليس هو السنة الثابتة، إنما هو حادث عابر، وراءه حكمة خاصة، ثم يدعوهم إلى الصبر والاستعلاء بالإيمان، فإن يكن أصابتهم جراح وآلام فقد أصاب المشركين مثلها في المعركة ذاتها، وإنما هنالك حكمة وراء ما وقع يكشف لهم عنها: حكمة تمييز الصفوف، وتمحيص القلوب، واتخاذ الشهداء الذين يموتون دون عقيدتهم، ووقف المسلمين أمام الموت وجهًا لوجه وقد كانوا يتمنونه، ليزنوا وعودهم وأمانيهم بميزان واقعي، ثم في النهاية محق الكافرين، بإعداد الجماعة المسلمة ذلك الإعداد المتين، وإذن فهي الحكمة العليا من وراء الأحداث كلها سواء كانت هي النصر أو هي الهزيمة.

{قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِكُمْ سُنَنٌ فَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُروا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ (137) هَذَا بَيَانٌ لِلنَّاسِ وَهُدًى وَمَوْعِظَةٌ لِلْمُتَّقِينَ (138) وَلَا تَهِنُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (139) إِنْ يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِثْلُهُ وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ الَّذِينَ آَمَنُوا وَيَتَّخِذَ مِنْكُمْ شُهَدَاءَ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ (140) وَلِيُمَحِّصَ اللَّهُ الَّذِينَ آَمَنُوا وَيَمْحَقَ الْكَافِرِينَ (141) أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنْكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ (142) وَلَقَدْ كُنْتُمْ تَمَنَّوْنَ الْمَوْتَ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَلْقَوْهُ فَقَدْ رَأَيْتُمُوهُ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ} ..

لقد أصاب المسلمين القرح في هذه الغزوة، وأصابهم القتل والهزيمة، أصيبوا في أرواحهم وأصيبوا في أبدانهم بأذى كثير قتل منهم سبعون صحابيًا، وكسرت رباعية الرسول صلى الله عليه وسلم وشج وجهه، وأرهقه المشركون، وأثخن أصحابه بالجراح، وكان من نتائج هذا كله هزة في النفوس، وصدمة لعلها لم تكن متوقعة بعد النصر العجيب في بدر، حتى لقال المسلمون حين أصابهم ما أصابهم: «أني هذا» وكيف تجري الأمور معنا هكذا ونحن المسلمون؟

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت