فهرس الكتاب

الصفحة 187 من 246

والقرآن الكريم يرد المسلمين هنا إلى سنن الله في الأرض، يردهم إلى الأصول التي تجري وفقها الأمور، فهم ليسوا بدعًا في الحياة، فالنواميس التي تحكم الحياة جارية لا تتخلف، الأمور لا تمضي جزافًا إنما هي تتبع هذه النواميس، فإذا هم درسوها، وأدركوا مغازيها، تكشفت لهم الحكمة من وراء الأحداث، وتبينت لهم الأهداف من وراء الوقائع، واطمأنوا إلى ثبات النظام الذي تتبعه الأحداث، وإلى وجود الحكمة الكاملة وراء هذا النظام، واستشرفوا خط السير على ضوء ما كان في ماضي الطريق، ولم يعتمدوا على مجرد كونهم مسلمين، لينالوا النصر والتمكين، بدون الأخذ بأسباب النصر، وفي أولها طاعة الله وطاعة الرسول.

والسنن التي يشير إليها السياق هنا، ويوجه أبصارهم إليها هي:

عاقبة المكذبين على مدار التاريخ، ومداولة الأيام بين الناس، والابتلاء لتمحيص السرائر، وامتحان قوة الصبر على الشدائد، واستحقاق النصر للصابرين والمحق للمكذبين.

وفي خلال استعراض تلك السنن تحفل الآيات بالتشجيع على الاحتمال، والمواساة في الشدة، والتأسية على القرح، الذي لم يصبهم وحدهم، إنما أصاب أعداءهم كذلك، وهم أعلى من أعدائهم عقيدة وهدفا، وأهدى منهم طريقًا ومنهجا، والعاقبة بعد لهم، والدائرة على الكافرين.

{قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِكُمْ سُنَنٌ فَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُروا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ (137) هَذَا بَيَانٌ لِلنَّاسِ وَهُدًى وَمَوْعِظَةٌ لِلْمُتَّقِينَ} ..

إن القرآن ليربط ماضي البشرية بحاضرها، وحاضرها بماضيها، فيشير من خلال ذلك كله إلى مستقبلها، وهؤلاء العرب الذين وجه إليهم القول أول مرة لم تكن حياتهم، ولم تكن معارفهم، ولم تكن تجاربهم ـ قبل الإسلام ـ لتسمح لهم بمثل هذه النظرة الشاملة، لولا هذا الإسلام ـ وكتابه القرآن ـ الذي أنشأهم به الله نشأة أخرى، وخلق به منهم أمة تقود الدنيا.

إن النظام القبلي الذي كانوا يعيشون في ظله، ما كان ليقود تفكيرهم إلى الربط بين سكان الجزيرة وماجريات حياتهم، فضلًا على الربط بين سكان هذه الأرض وأحداثها، فضلًا على الربط بين الأحداث العالمية والسنن الكونية التي تجري وفقها الحياة جميعًا .. وهي نقلة بعيدة لم تنبع من البيئة، ولم تنشأ من مقتضيات الحياة في ذلك الزمان، إنما حملتها إليهم هذه العقيدة، بل حملتهم إليها، وارتقت بهم إلى مستواها، في ربع قرن من الزمان، على حين أن غيرهم من معاصريهم لم يرتفعوا إلى هذا الأفق من التفكير العالي إلا بعد قرون وقرون، ولم يهتدوا إلى ثبات السنن والنواميس الكونية، إلا بعد أجيال وأجيال .. فلما اهتدوا إلى ثبات السنن والنواميس نسوا أن معها كذلك طلاقة المشيئة الإلهية، وأنه إلى الله تصير الأمور .. فأما هذه الأمة المختارة فقد استيقنت هذا كله، واتسع له تصورها، ووقع في حسها التوازن بين ثبات السنن وطلاقة المشيئة، فاستقامت حياتها على التعامل مع سنن الله الثابتة والاطمئنان ـ بعد هذا ـ إلى مشيئته الطليقة.

{قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِكُمْ سُنَنٌ} ..

وهي هي التي تحكم الحياة .. وهي هي التي قررتها المشيئة الطليقة، فما وقع منها في غير زمانكم فسيقع مثله ـ بمشيئة الله ـ في زمانكم، وما انطبق منها على مثل حالكم فهو كذلك سينطبق على حالكم.

{فَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ} ..

فالأرض كلها وحدة .. والأرض كلها مسرح للحياة البشرية، والأرض والحياة فيها كتاب مفتوح تتملاه الأبصار والبصائر.

{فَانْظُروا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ} ..

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت