الصفحة 18 من 25

وما أجمل ما سطره الطبري في تفسيره في هذا المعنى المذكور سلفًا، حيث يقول: (في هذه الآية: {قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ إِذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَآءُ مِنْكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاءُ أَبَدًا حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُ إِلَّا قَوْلَ إِبْرَاهِيمَ لِأَبِيهِ لَأَسْتَغْفِرَنَّ لَكَ وَمَا أَمْلِكُ لَكَ مِنَ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ رَبَّنَا عَلَيْكَ تَوَكَّلْنَا وَإِلَيْكَ أَنَبْنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ} ، يقول تعالى ذكره للمؤمنين به من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ قد كان لكم أيها المؤمنون أسوة حسنة، يقول؛ قدوة حسنة في إبراهيم خليل الرحمن تقتدون به، والذين معه من أنبياء الله، كما حدثني يونس قال أخبرنا ابن وهب قال: قال ابن زيد في قول الله عز وجل {قد كانت لكم أسوة حسنة في إبراهيم والذين معه} ؛ قال الذين معه الأنبياء، وقوله: {إذ قالوا لقومهم إنا برآء منكم ومما تعبدون من دون الله} ، يقول؛ حين قالوا لقومهم الذين كفروا بالله وعبدوا الطاغوت؛ أيها القوم إنا برآء منكم ومن الذين تعبدون من دون الله من الآلهة والأنداد، وقوله: {كفرنا بكم وبدا بيننا وبينكم العدواة والبغضاء أبدا حتى تؤمنوا بالله وحده} ، يقول جل ثناؤه مخبرا عن قيل أنبيائه لقومهم الكفرة كفرنا بكم؛ أنكرنا ما كنتم عليه من الكفر بالله وجحدنا عبادتكم وما تعبدون من دون الله، أن تكون حقا، وظهر بيننا وبينكم العدواة والبغضاء أبدا على كفركم بالله وعبادتكم ما سواه، ولا صلح بيننا ولا هوادة، {حتى تؤمنوا بالله وحده} ؛ يقول حتى تصدقوا بالله وحده فتوحدوه وتفردوه بالعبادة، وقوله: {إلا قول إبراهيم لأبيه لأستغفرن لك وما أملك لك من الله من شيء} ؛ يقول تعالى ذكره؛ قد كانت لكم أسوة حسنة في إبراهيم والذين معه في هذه الأمور التي ذكرناها، من مباينة الكفار ومعاداتهم وترك موالاتهم، إلا في قول إبراهيم لأبيه لأستغفرن لك، فإنه لا أسوة لكم فيه) أهـ

وقال ابن كثير رحمه الله: (يقول تعالى لعباده المؤمنين الذين أمرهم بمصارمة الكافرين وعداوتهم ومجانبتهم والتبري منهم؛ {قد كانت لكم أسوة حسنة في إبراهيم والذين معه} ، أي وأتباعه الذين آمنوا معه، {إذ قالوا لقومهم إنا برآء منكم} ؛ أي تبرأنا منكم ومما تعبدون من دون الله، {كفرنا بكم} ؛ أي بدينكم وطريقكم، {وبدا بيننا وبينكم العداوة والبغضاء أبدا} ؛ يعني وقد شُرعت العداوة، والبغضاء من الآن بيننا، ما دمتم على كفركم فنحن أبدا نتبرأ منكم ونبغضكم، {حتى تؤمنوا بالله وحده} ؛ أي إلى أن توحدوا الله فتعبدوه وحده لا شريك له وتخلعوا ما تعبدون معه من الأوثان والأنداد) أهـ

وفي"الدرر السنية"قال أبنا الشخ محمد بن عبد الوهاب: (وإظهار الدين؛ تكفيرهم وعيب دينهم، والطعن عليهم، والبراءة منهم، والتحفظ من مودتهم والركون إليهم واعتزالهم، وليس فعل الصلوات فقط؛ إظهارًا للدين، وقول القائل؛ إنا نعتزلهم في الصلاة ولا نأكل ذبيحتهم حسن، لكن لا يكفي في إظهار الدين وحده بل لا بد مما ذكر) .

وقال الشيخ حمد بن عتيق رحمه الله تعالى: (والمراد التصريح باستمرار العداوة والبغضاء لمن لم يوحد ربه، فمن حقق ذلك علمًا وعملًا، وصرح به حتى يعلمه منه أهل بلده، لم تجب عليه الهجرة من أي بلد كان. وأما من لم يكن كذلك، بل ظن أنه إذا ترك يصلي ويصوم ويحج، سقطت عنه الهجرة، فهذا جهل بالدين، وغفول عن زبدة رسالة المرسلين، فإن البلاد إذا كان الحكم فيها لأهل الباطل، عباد القبور، وشربة الخمور وأهل القمار، فهم لا يرضون إلا بشعائر الشرك وأحكام الطواغيت، وكل موطن يكون كذلك لا يشك من له أدنى ممارسة للكتاب والسنة أن أهله على غير ما كان عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم) [الدرر السنية: ج1 ص413 و 418 ط؛5] .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت