إذًا لا يجوز له الرجوع إلى وطنه، وهذا قبل الفتح، فلما فتحفت مكة وصارت دار إسلام اختلف الحكم على رأي بعض أهل العلم، ومن أراد المزيد في ذلك فليرجع إلى صحيح البخاري وشرحه لابن حجر،"مناقب الأنصار"، باب؛"إقامة المهاجر بمكة بعد انقضاء نسكه"، وكذا صحيح مسلم شرح النووي، باب؛"جواز الإقامة بمكة للمهاجر".
ويقول ابن حزم في ذلك ما نصه: (احتج لمالك والشافعي ومقلدوهما بالخبر الثابت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم من طريق العلاء بن الحضرمي أنه عليه السلام قال:"يمكث المهاجر بعد انقضاء نسكه ثلاثا"، قالوا: فكره رسول الله صلى الله عليه وسلم للمهاجرين الإقامة بمكة التي كانت أوطانهم فأخرجوا عنها في الله تعالى حتى يلقوا ربهم عز وجل غرباء عن أوطانهم لوجهه عز وجل، ثم أباح لهم المقام بها ثلاثا بعد تمام النسك) أهـ
يتضح لنا بعد ذلك خطورة الهوة التي قد يقع فيها من هاجر من دار الكفر أو الحرب ثم رجع إليها بدون عذر شرعي وهي على ماهي عليه من الكفر أو الحر ب.
سابعًا:
من لوازم عدم الهجرة غالبًا؛ مشاهدت المنكرات، ومداهنة أرباب المعاصي والسيئات، وموادتهم وانشراح الصدر لهم، فإن الشر يتداعى ويجر بعضه بعضًا، فلا يرضون عمن هو بين أظهرهم بدون هذه الأمور، ولا بد من رضاهم والمبادرة في هواهم - إلى غير ذلك مما ذكره العلامة عبد الرحمن بن حسن -
ولو هاجر فإن من لوازم هجرته؛ أن يفارق هذه الأمور المذكورة آنفًا، وإلا ما فائدة هجرته.
ثامنًا:
كون الأرض دار كفر، أو دار إيمان، أو دار فاسقين، ليست صفة لازمة لها بل هي صفة عارضة بحسب سكانها، والحكم الذي تحكم به، فكل أرض سكانها المؤمنون المتقون، وحكمت بشرع الله تعالى؛ فهي دار أولياء الله في ذلك الوقت، وكل أرض سكانها الكفار، أو حكمت بغير الإسلام؛ فهي دار كفر في ذلك الوقت، وكل أرض سكانها الفساق؛ فهي دار فسق في ذلك الوقت، فإن سكنها غير ما ذكرنا وتبدلت بغيرهم فهي دارهم، تمامًا كما يقال في المسجد إذا تبدل بخمارة أو صار دار فسق أو دار ظلم، أو كنيسة يشرك فيها بالله، كان بحسب سكانه، وكذلك دار الخمر والفسوق، ونحوها إذا جعلت مسجدا يعبد الله فيه جل وعز كان بحسب ما يكون، وكذلك الرجل الصالح يصير فاسقا، والكافر يصير مؤمنا، أو المؤمن يصير كافرا أو نحو ذلك، كل بحسب انتقال الأحوال، من حال إلى حال.
وقد قال تعالى: {وضرب الله مثلا قرية كانت آمنة مطمئنة ... الآية} ، نزلت في مكة لما كانت دار كفر، وهى ما زالت في نفسها خير أرض الله، وأحب أرض الله إليه، وإنما أراد سكانها والشرعة التي تحكم بها، فقد روى الترمذي مرفوعا لرسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال لمكة وهو واقف بالحزورة: (والله إنك لخير أرض الله وأحب أرض الله إلى الله، ولولا أن قومي أخرجوني منك لما خرجت) ، وفى رواية: (خير أرض الله وأحب أرض الله إلي) ، فبين أنها أحب أرض الله إلى الله ورسوله وكان مقامه بالمدينة.
لذا لا ينبغي أن يتساءل المسلم المهاجر، ويقول؛ كيف أهاجر من بلد فاضل إلى مفضول؟!
والجواب؛ أن العبرة ليست بمسألة الفاضل والمفضول، ولأن رسول الله صلى الله عليه وسلم أمر بالهجرة من خير بلاد الله، وأحبها إليه إلى ما هو دونها، إذ العبرة والحكم معلق بالوصف العارض الذي يعرض للبلاد بغض النظر عن فضلها ومنزلتها ومكانها، ولم يعلق الحكم بذلك، فهذا الوصف العارض سوف يزول بأمر الله تعالى، ليعود الوصف اللازم لتلك البلاد.
ولا عبرة بكلام وقول ابن العربي في"أحكام القرآن"؛"أن مكة دار إسلام إلى يوم القيامة"، فهذا ليس عليه دليل إطلاقًا، ولا أثر عن الصحابة ولا عرف عنهم، ولا عن السلف الصالح ومن بعدهم رضى الله عن الجميع، فمكة شرفها الله مثلها مثل غيرها في أن يطرأ عليها وصف الكفر وأنها دار كفر، أو أن توصف ويقال عنها أنها دار إسلام، وهذا حالها على مدى تاريخها الطويل شرفها الله، وإلا بأي حق كانت تجيش لها الجيوش لكي تفتح للإسلام وأهله، فيما غبر من الزمن وما جد؟!
[23] تفسير ابن كثير سورة النساء، آية 99.
[24] وإن رجحنا أنها دار كفر أو حرب فالمسألة لغيرنا مسألة خلاف قوي لأدلته، فهل نؤثمهم؟!