الصفحة 31 من 37

هي أحْسَن ولكنه مَعَ ذلك رفَضَ واستمر في عِصيانه - نعوذ بالله من حال السُّوءِ -، فَرَجَعَ (ابنُ حَرْكان) وأخبر الشيخَ بذلك فقال الشيخ: (حَسْبُنَا الله وَنِعْمَ الوَكِيل) ، فمَا مَضَى من الوقتِ إلاَّ قليلٌ حتى هَبَّتْ رِيحٌ عَاصِفٌ شديدةٌ فانتزَعَتْ خيْمةَ هذا الْمُغنِّي مع عَمُودِهَا ورفَعَته عاليًا ثم هوَى هذا العمُود فارْتَكَزَ في رأسِهِ وخَرَج مِن تحتِ ذَقْنِهِ فإذا هوَ ميِّتٌ - نسأل الله السلامة والعافية -، فأخبروا الشيخ فَبَكَى خَوْفًا مِنْ عِقابِ اللهِ ورَجَاءَ رَحْمَتِهِ [1] .

? وَمَنْذُ ما يُقارب أربعين سَنة ناظَرَ أحدُ العُلمَاء (الشناقطة) مُلْحِدًا (سُودَانِيًا) مُنْكِرًا لوجود الله، وفي أثناء الْمُنَاظَرَةِ قال الْمُلْحِدُ: (إنْ كانَ لِهَذَا الكَوْنِ خَالِقٌ فَلْيقْبِضْ رُوحِي الآن) ، فمَا اسْتَتَمَّ كَلاَمُهُ حَتَّى سَقَطَ جُثةً هَامِدَة والعَالِمُ يَنظُر!.

? ويقول (عبد الله بن وائل التويجري) [2] بأنه حينما كان في شبابه كان مع مجموعة من أصحابه في سفْرةٍ إلى بلاد الشَّام للتجارة؛ يقول: وفي أثناء عودتهم عرَّجوا على صاحبٍ لَهُم في أحَدِ مُدُنِ الشَّام وقد أحْسَن ضيافَتَهُم إلاَّ أنَّ عِنْدَه رَاعٍ للغَنَمِ والإِبل قد آذاهم حيث إنه حينما يقومون للصلاة وبعد تكبيرة الإحرام يبدأ بالعزف والغناء مع ترديده لأبياتٍ شِعْرِية نبطية وكأنَّ الشيطان قد كلَّفه بهذه المهمة ليشغلهم عن صلاتهم حتى إنهم من شدة عزفه بالغناء لا يسمعون تكبير الإمام ولا قراءته!.

يقول التويجري: فَقُلنا لِسَيِّدِه الذي نَحْنُ فِي ضِيَافته: (قُمْ لعَامِلِك وانْهَهُ عن هذا الْمُنكَرِ، فَهُوَ لا يُصَلِّي ولا يَتركنا نُصَلِّي!) ، ولكن سيِّده اعتذر عن مُنَاصَحَتِهِ خَشيةَ أنْ يتركه ويذهب لغيره حيثُ إنه - كما يقول - مطمئنٌّ له كونه جيِّدٌ في رعيه الغنم والإبل وقويٌّ في جِسْمِه لِحِفْظِهَا من اللُّصوص فلاَ يَقْرَب أحَدٌ الوادي الذي هو فيه فترعى غنمه وإبله لوحدها!، ولو ناصحه وأنكر عليه فقد يتركه ويذهب لغيره وقد لا يجد مثله!.

ثم يقول التويجري: وكرَّرْنا معه الْمُطَالَبَةَ بِأنْ يُناصح راعي غَنَمِهِ بِأَنْ لاَ يُشغلنا عن صلاتنا بغِنَائِهِ، ولكن مُضيفنا يكرِّر الإصرار بأنه لن يُناصحه وينهاه عن المنكر الذي عليه خشية أن يتركه ويذهب لغيره.

وفي أحد الأيام وفي صلاة الْمَغْرِبِ تَحديدًا قال إمامُنا: إنْ عادَ الراعي لِفِعْلِ مُنْكَرِهِ فَسَوْفَ أَقْنُتْ عَليه، فوافقناه فيما أراد، فكبَّر الإمام للصلاة، فحضَر الراعي وجلس حولنا كعادته وبدأ يُغَنِّي بالرَّبَابَة، وزَادَ في إِيذاء الْمُصَلِّين!.

ثم يقول التويجري: وبعدما أكملنا صلاتنا وبعد الرفع من الركعة الأخيرة رفَع الإمامُ يديه وبدأ يقنُت ونحنُ نؤمِّن من خلْفِهِ على هذا الرَّاعي؛ وبعد الصلاة، وبينما كنا جلوسًا يتكلم بعضنا مع بعض إذْ قام الراعي من عندنا فجْأةً ودَخَل بيتَه الشَّعْري وصار يَسْتَفْرِغ!، فَالْتَفَّ حَولَه أهلُه"أمُّه وَزوجَتُه"وهُنَّ مَفزوعاتٍ مِمَّا أصابَه وحَلَّ به!، فذَهب إِلَى فراشه وأحضَرَتْ أمُّه بعضَ الأدوية، ولكنَّ حالته صارت من سَيِّءٍ إِلَى أسْوَأ حتى أُغْمِيَ عليه؛ وبينما كُنَّا نتحادث مع بعض إذْ

(1) «المختار من القصص والتاريخ والآثار» لدغيثر بن عبد الله الدغيثر، ص (24) .

(2) وهو رجُلٌ كبير في السِّن ومن أهل (بريدة) ، ولا يزال حَيًّا حتى ساعةِ كتابةِ هذه الحادثة في شهر/ربيع الأول من عام 1428هـ - نسأل الله تعالى لنا وله حسن الختام -.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت