الصفحة 33 من 37

وأنا إذْ أذكُرُ بعضَ ما ورَد من قصص في ذلك إنَّمَا أرَدتُّ أنْ يَعْتَبِرَ مَنْ {نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ} [1] .

والرَّبُّ سبحانه وَبِحَمْدِهِ قَدْ يُعَجِّل العقوبةَ للطُّغَاةِ والزنادقة والفُجَّار، وقَد يؤخِّرها لِحِكَمٍ لاَ يُحِيط بِها العِبَاد، فسُبحَانَ قاصِمِ الْجَبَابِرَةِ ومُذِلِّ الْمُسْتَكْبِرين ..

وَسُبْحَانَ مَنْ لاَ يَقْدِرُ الْخْلْقُ قَدْرَهُ مَلِيكٌ عَلَى عَرْشِ السَّمَاءِ مُهَيْمِنٌ. ... وَمَنْ هُوَ فَوْقَ العَرْشِ فَرْدٌ مُوَحَّدُ لِعِزَّتِهِ تَعْنُو الوُجُوهُ وَتَسْجُدُ [2] .

واعْلَمْ أنَّ مَالِكَ الْمُلْكِ سُبحَانه وتَعَالَى لَمْ يَنْعَزِلْ عَن تَدْبِيرِ مُلْكِهِ وإنْ كَانَتْ السِّيَاسَاتُ الطَّاغُوتِيَّة قَدْ عَزَلَتْهُ كَمَا قَالَ ابنُ القَيِّمِ: (وقَال أصْحَابُ السِّيَاسَةِ: «إذَا تَعَارَضَتْ السِّيَاسَةُ وَالشَّرْعُ قَدَّمْنَا السِّيَاسَةَ» ، فَجَعَلَتْ كُلُّ طَائِفَةٍ قُبَالَةَ دِينِ اللهِ وشَرْعِهِ طَاغُوتًا يَتَحَاكَمُونَ إِلَيهِ) [3] ، فَهُوَ سُبْحَانَهُ الْمُتَصَرِّفُ فِي مُلْكِهِ حِينَ وجُودِ الْخَلْقِ وبَعْدَ فَنَائِهِمْ، وَتَأمَّلْ عَظِيمَ قُدْرَتِهِ وبَالغِ حِكْمَتِهِ في إِحَالَةِ الأحْوَالِ فَقَدْ قال ابنُ القيمِ رحمه الله:(قَرَأ قَارِئٌ: {إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ * وَإِذَا النُّجُومُ انْكَدَرَتْ * وَإِذَا الْجِبَالُ سُيِّرَتْ} [4] ، وَفي الْحَاضِرين «أبو الوَفَاء بن عَقِيل» فَقَال له قَائِلٌ: يا سَيِّدي هَبْ أنَّه أنْشَرَ الْمَوْتَى لِلبعْثِ والْحِسَاب وزَوَّجَ النفُوس بِقُرَنَائِهَا بالثَّوَابِ والعِقَابِ فَلِمَ هَدَمَ الأَبْنِيَةَ وَسَيَّر الْجِبَالَ وَدَكَّ الأرضَ وَفَطَرَ السَّماءَ وَنَثَرَ النُّجُومَ وَكَوَّرَ الشَّمْسَ؟!.

فَقال رحمه الله: إِنَّمَا بَنَى لَهُمْ الدَّارَ للسُّكْنَى والتَّمَتُّعِ وجَعَلَهَا وَجَعَلَ مَا فيها للاعْتِبَارِ والتَّفَكُّرِ والاسْتِدْلاَلِ عليهِ بِحُسْنِ التأمُّلِ وَالتَّذَكُّرِ، فَلَمَّا انْقَضَتْ مُدَّةُ السُّكْنَى وَأجْلاَهُمْ من الدَّارِ خَرَّبَهَا لانْتِقَال السَّاكِنِ مِنْهَا فَأرَادَ أنْ يُعْلِمَهُمْ بِأنَّ الكَوْنَيْن كانتْ مَعْمُورَةً بِهِمْ، وَفِي إِحَالَةِ الأحْوَالِ وإظهَارِ تلكَ الأهْوَالِ وبَيَانِ الْمَقْدِرَةِ بعدَ بَيانِ العِزَّةِ تكْذِيبٌ لأهْلِ الإِلْحَادِ وَزَنَادِقَةِ الْمُنَجِّمِينَ وَعُبَّادِ الكوَاكِبِ والشَّمْسِ وَالقَمَرِ والأوْثَانِ فَيَعْلَمُ الذينَ كَفَرُوا أنَّهُمْ كانوا كَاذِبِين؛ فَإِذَا رَأوْا آلِهَتَهُمْ قَدْ انْهَدَمَتْ، وأنَّ مَعْبُودَاتِهِمْ قَدْ انْتَثَرَتْ وانْفَطَرَتْ، وَمَحَالُّهَا قَدْ تَشَقَّقَتْ .. ظَهَرَتْ فَضَائِحُهُمْ وتَبَيَّنَ كَذِبُهُمْ وَظَهَرَ أنَّ العَالَمَ مَرْبُوبٌ مُحْدَثٌ مُدَبَّرٌ لَهُ رَبٌّ يُصَرِّفُهُ كَيْفَ يَشَاءُ تَكْذِيبًا لِمَلاَحِدَةِ الفَلاَسِفَةِ القَائِلِينَ بِالقِدَمِ؛ فَكَمْ للهِ تعالَى مِنْ حِكْمَةٍ فِي هَدْمِ هَذِهِ الدَّارِ وَدلاَلَةٍ على عُظْمِ عِزَّتِهِ وَقُدْرَتِهِ وسُلْطَانِهِ وانْفِرَادِهِ بالرُّبُوبِيَّةِ وانْقِيَادِ الْمَخْلُوقَاتِ بِأسْرِهَا لِقَهْرِهِ وإذْعَانِهَا لِمَشِيئَتِهِ!، فَتَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ العَالَمِينَ) انتهى [5] .

{كَبُرَتْ كَلِمَةً تَخْرُجُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ} :

(1) سورة التوبة، من الآية: 67.

(2) «اجتماع الجيوش الإسلامية» لابن القيم، ص (80، 90) .

(3) «مدارج السالكين» ، (2/ 70) .

(4) سورة التكوير، الآيات: 1 - 3.

(5) «بدائع الفوائد» ، (3/ 700) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت