فيها، وصارت عندهم إحدى المحكات التي يعرف بها المرجئ من غيره، وغدا يُلوّح (بدليل الإجماع القطعي المدَّعىَ) في وجه كل من خالفه في ذلك الحكم؛ ونحن إذا نناقش الشيخ عبد القادر بن عبد العزيز في هذه المسألة فإن ذلك لا يعني إطلاقا أن يعد نقاشنا تجريحا أو استنقاصا له أو لكتابه المذكور، بل المقصد الأول والأساسي هو بيان الحق الذي ظهر لنا وذلك نصحا له ولعامة المسلمين، وكل من له أدني معرفة وإنصاف يعلم أنه لا تلازم البتة بين التخطئة والإثم، لقول النبي - صلى الله عليه وسلم: (إذا حكم الحاكم فاجتهد ثم أصاب فله أجران، وإذا حكم فاجتهد ثم أخطأ فله أجر) رواه البخاري عن عمرو بن العاص، قال شيخ الإسلام - رحمه الله: (فأما الصديقون، والشهداء، والصالحون: فليسوا بمعصومين، وهذا في الذنوب المحققة، وأما ما اجتهدوا فيه، فتارة يصيبون، وتارة يخطئون، فإذا اجتهدوا وأخطئوا فلهم أجر على اجتهادهم، وخطؤهم مغفور لهم، وأهل الضلال يجعلون الخطأ والإثم متلازمين، فتارة يغلون فيهم، ويقولون: إنهم معصومون، وتارة يجفون عنهم، ويقولون: إنهم باغون بالخطأ، وأهل العلم والإيمان لا يعصمون ولا يؤثمون) مجموع الفتاوى 35/ 69 ومعلوم أن كتب أهل العلم الثقات ممن يقتدى بهم طافحة بالردود والمناقشات لبعضهم ولم ينزل ذلك من مكانة الراد أو المردود عليه، والشيخ عبد القادر نفسه قد امتلأ كتابه المذكور بالرد على أكابر العلماء وفحولهم ممن لا يشك أحد في رسوخهم في العلم وتضلعهم منه؛ وقبل أن نشرع في تفاصيل المناقشة نود أن ننبه إلى أن المقصود من هذا البحث كما هو واضح من عنوانه، التعقيب على أحد الأدلة التي استند إليها الشيخ عبد القادر في بحثه لمسألة (حكم أنصار الحكام المرتدين) ، وهو دليل الإجماع، وليس الغرض مما كتبناه هو التعليق على الحكم النهائي الذي توصل إليه في أصل هذه المسألة، وإن سبقنا القلم أو خانتنا العبارة في موضع ما فَفُهِم منها خلاف هذا فالتعويل على ما ذكرناه تصريحًا في هذا الموطن.
فنسأل الله أن يهدينا لما اختلف فيه من الحق بإذنه ويجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه إنه سميع قريب مجيب، ولا حول ولا قوة إلا بالله عليه توكلت وإليه أنيب.
ويمكن إجمال الأمور التي سيدور عليها هذا البحث في ثلاث مسائل يتفرع عن كل واحدة منها جزئيات تذكر في محلها وتبين في مواضعها بإذن الله تعالى.
المسألة الأولى: في بيان بعض المسائل المتعلقة بالإجماع عند الأصوليين.
المسألة الثانية: في بيان بطلان ما ادعاه من الإجماع القطعي.