الصحابة، وجنح الشيخ عبد القادر في كتابه المذكور إلى القول بكفرهم، وجعله ثابتا بإجماع الصحابة، ونقل في ذلك شيئا من كلام العلماء القائلين بذلك، فالمقصود من هذا أنه لما حكم على مانعي الزكاة بالكفر، وما دام الحكم عنده ثابتا بإجماع الصحابة، فلماذا أغفله وأهمله عند بحثه لحكم أنصار الحكام المرتدين، وانتقل إلى حكاية إجماعهم على تكفير (أنصار المتنبئين) ، ألأن مانعي الزكاة لم يكن لهم رؤوس وأئمة بارزون يناصرونهم ويدافعون عنهم كما لأنصار الحكام المرتدين؟ أم لأن هذا لا يساعده في جعل الإجماع قطعيا يكفر مخالفه؟ فإن المخالفين في تكفير مانعي الزكاة من العلماء كثير إن لم يكونوا الأكثر.
فالانتقال في الاستدلال من الإجماع على كفر مانعي الزكاة إلى صورة المتنبئين ومحاولة تشبيه واقعة أنصار الحكام المرتدين بها لأن في كلتيهما (أنصارا لأئمة الردة) لا معنى له، ولا طائل وراءه، هذا إذا قصد به قصر وحصر حكم الإجماع (القطعي) على من كان مناصرا لأئمة الردة دون سواهم ممن كان ممتنعا على مكفر من المكفرات، فإن مناصرة الكفار على المسلمين، وتقوية ساعدهم، هي من المكفرات المعلومة بصرف النظر عن كونها لإمام من أئمتهم أم لا، فمانعو الزكاة الذين قاتلهم الصحابة - رضي الله عنهم - قد اجتمعوا وتناصروا وتآزروا فيما بينهم على منعها، وقاتلوا الصديق ومن معه على ذلك، ولم يكن لهم إمام من أئمة الردة ينتسبون إليه، ويقاتلون دونه ويحمون كفره، ومع ذلك -وعلى الأقل حسب ما اختاره الشيخ- أكفرهم الصحابة بالإجماع، فلو تعلق بتكفير الصحابة لهم لكان أنسب وأقرب إلى حالة النازلة المعاصرة من إلحاقها بصورة أتباع المتنبئين، وذلك لأن مانعي الزكاة قد امتنعوا عن شريعة واحدة من شرائع الإسلام الظاهرة، أما أنصار الحكام المرتدين فقد امتنعوا عن شرائع شتى، ولهذا كان شيخ الإسلام - رحمه الله - عندما يفتي بقتال التتار ومن شابههم من الطوائف الممتنعة عن الشرائع الظاهرة المتواترة _ وهي حال تطابق حال المعاصرين _يستدل بقتال الصحابة لمانعي الزكاة والخوارج ويقول إن قتالهم من جنس قتالهم، ولا يشير إلى أنهم مثل أتباع المتنبئين، هذا مع أن شيخ الإسلام وحسب ما يظهر من كلامه يحكم على مانعي الزكاة بالردة، وفتاواه في التتار كانت مع وجود العلماء المعاصرين له ممن كانوا يجعلون قتالهم من باب قتال أهل البغي، بل وتوقف بعضهم في قتالهم فضلا عن تكفيرهم، إلا أن سلوك هذا المسلك، وهو الاستدلال بتكفير الصحابة لمانعي الزكاة على تكفير أنصار الحكام المرتدين المعاصرين، لا يساعد الشيخ عبد القادر في حكاية