الصفحة 38 من 83

الإجماع (القطعي) الذي يكفر مخالفه، فإن اختلاف كبار العلماء وتنازعهم في كفر مانعي الزكاة الذين قاتلهم الصحابة أمر مشهور ومعلوم، لا يستطيع أحد رده ولا جحده، ولا يكاد يخلو منه كتاب من كتب الفقه، بل جل من لم يكفرهم جعلهم بغاة غلب عليهم اسم الردة لغة لاختلاطهم بمن كفر من العرب؛ ولسنا هنا في صدد بيان الراجح من الأقوال في تكفير مانعي الزكاة، ولكن ما نريد أن نبينه هو كون الشيخ عبد القادر قد عدل عن الاستدلال والتمسك بتكفير وقتال الصحابة لمانعي الزكاة، وآثر الانتقال إلى ما يبدو شبهه بواقعة العصر متشبثا في ذلك بمجرد الشكل والهيئة، ولذا ألحقهم بالمتنبئين.

فغض الطرف عن هذا الإجماع _ على الأقل حسب اختيار الشيخ _ الأقرب إلى واقعة العصر من جهة ما امتنعوا عليه وهي إحدى شرائع الإسلام الظاهرة المتمثلة في الزكاة، والالتفات إلى ما هو أبعد، لا يخلو من نوع تساهل، والاعتماد على مجرد ظاهر الصورة دون تفحص الحقيقة التي عليها مدار الأمر وبناء الحكم، هو الذي ساق إلى هذا الاستدلال الخاطئ.

فإن اتفاق الصحابة - ابتداء - على تكفير المتنبئين وأتباعهم، ووقوع الشبهة لبعضهم في تكفير وقتال مانعي الزكاة، ثم اتفاق العلماء بل الأمة عن بكرة أبيها، على تكفير المتنبئين ومن صدقهم من أولئك وغيرهم، وبقاء الاختلاف في تكفير مانعي الزكاة بين كبار أئمة الأمصار، على مدار الأعصار، إن هذا من الأمور المهمة التي ينبغي للباحث أن يقف عندها طويلا، ويحاول أن يجد ويعرف الأسباب الحقيقية التي جعلت اتفاقهم على تكفير المتنبئين وأتباعهم ليس فيه أدنى شبهة أو تردد، لا في الابتداء ولا بعد ذلك، حتى أصبح - بل هو كذلك من قبل - أمرا معلوما من الدين بالضرورة يعرفه العامة والخاصة على حد سواء، ويكفر من خالف أو ارتاب فيه، بينما الأمر ليس كذلك في مانعي الزكاة، فهل الفرق بين الطائفتين أن لأحدهما إماما في الردة وليس للأخرى إمام؟ أم هل الفرق أن نصرة الأولين (أنصار المتنبئين) تعلقت بإمام ردة، أما نصرة الآخرين (مانعي الزكاة) هي نصرة ليست كذلك وإن كانت مكفرة؟ وهل يصلح ويصح جعل مثل هذه الفروق مؤثرة في الأحكام؟ وإذا ألغيت ولم تعتبر، فما الذي جعل الإجماع على تكفير أتباع المتنبئين إجماعا قطعيا معلوما من الدين بالضرورة، بينما الاختلاف في كفر مانعي الزكاة مازال جاريا وباقيا لم يرتفع؟ وهذا مع أن كلا الطائفتين امتنعت على مكفر من المكفرات وقاتلت دونه، الأولى على اتباع المتنبئين، والثانية على منع

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت