الزكاة ورفض أدائها، وكلاهما قد خرجتا في زمن واحد وقاتلهما الصحابة في الوقت نفسه.
إن أهم الأسباب المفرقة بين هاتين الصورتين اللتين وقعتا في زمن واحد (زمن الصحابة) هو كون كفر متبع النبوة ومصدقه، ليس محل اختلاف أو نقاش أو تردد لدى أحد من المسلمين على الإطلاق، بل تكفيرهم وإخراجهم من الملة موضع اتفاق، ولا يلتفت في حقه إلى نصرة أو غيرها، ولا امتناع ولا قدرة، فكل هذه لا يتوقف الحكم بتكفيره عينا عليها، وليست هي محلا لتعليق الأحكام في حقه، ولا اعتبار لجهله ولا شبهته أو تأويله، فأين هذا من مانعي الزكاة ومن شاكلهم كأنصار الحكام المرتدين، ممن هم محل نظر وتأمل، واعتبار لشبهاتهم وتأويلاتهم، وبسبب اعتبار الموانع في حقهم وأن لها تأثيرا في الحكم توقف الشيخ عبد القادر عن القطع بكفرهم، مكتفيا بتكفيرهم في الظاهر فقط كما قال: (أما حكم أنصارهم من علماء السوء والإعلاميين والجنود وغيرهم فهم كفار على التعيين في الحكم الظاهر) الجامع 2/ 597، وقال في موضع آخر: (ولما كان الحكم بالكفر يقع على الممتنعين بدون تبين الشروط والموانع، فحكمنا بكفرهم إنما هو على الظاهر ولانقطع بكفرهم كممتنعين على الحقيقة لاحتمال قيام مانع من التكفير في حق بعضهم) الجامع2/ 616 فكيف يسوى بين الفريقين والحالة كما نرى، قال ابن حزم - رحمه الله: (وأما من كان من غير أهل الإسلام من نصراني أو يهودي أو مجوسي، أو سائر الملل، أو الباطنية القائلين بإلهية إنسان من الناس، أو بنبوة أحد من الناس بعد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فلا يعذرون بتأويل أصلا، بل هم كفار مشركون على كل حال) الدرة لابن حزم 441، وقال الإمام محمد بن عبد الوهاب-رحمه الله- في ذكره لأقسام المرتدين بعد وفاة النبي صلى الله عليه و سلم: ( ... منهم من ثبت على الشهادتين، ولكن أقر بنبوة مسيلمة ظنا أن النبي - صلى الله عليه وسلم - أشركه في النبوة، لأن مسيلمة أقام شهود زور شهدوا له بذلك، فصدقهم كثير من الناس، ومع ذلك أجمع العلماء أنهم مرتدون ولو جهلوا ذلك، ومن شك في ردتهم فهو كافر) مجموعة التوحيد35، وقصة الرجَّال بن عنفوة التي يذكرها أهل السير والتاريخ مشهورة، حيث شهد لمسيلمة أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قد أشركه في أمر النبوة معه، وفي هذا تلبيس شديد وشبهة قوية، ولهذا كان شهادته ووقوفه بجانب المتنبئ الكذاب أشد فتنة على بني حنيفة من مسيلمة نفسه كما ذكر ذلك كثير من العلماء الذين صنفوا في التاريخ، وذلك لأنه كان قد أسلم ولقي الرسول - صلى الله عليه وسلم -، وقرأ البقرة وغيرها من القرآن وتعلم شيئا من السنن، بل بعثه النبي - صلى الله عليه وسلم - ليثبت المسلمين من بني حنيفة، ويكشف لهم زيف وكذب مسيلمة لعنه الله، إلا