الصفحة 67 من 83

الإجماع، إذ إن إعمال الموانع المعلوم وجودها وفشوّها بينهم يقتضي عدم تكفيرهم، وعدم تكفيرهم يقتضي مخالفة إجماع الصحابة المزعوم، فإن كانت دعوى الإجماع على تكفير الأعيان صحيحة، فالمفترض أن لا يكون لتغاير أحول الطوائف أي تأثير في الحكم، وهذا يطابق تمامًا ما لو قيل إن في مسألة كذا نصًا قاطعًا من الكتاب أو السنة، فيبقى مجال النظر إذ ذاك محصورًا في التحقق من شمول النص للنازلة أو المسألة الحادثة واندراجها فيه، فعندما يقال إن الصحابة قد أجمعوا على تكفير أنصار أئمة الردة على التعيين، والشهادة على قتلاهم بالنار، فإن جهد الناظر ينبغي أن يقتصر على إدخال الطائفة التي يبحث حكمها في مسمى (أنصار أئمة الردة) فحسب، فحيث ثبت عنده هذا، أجرى عليهم حكم إجماع الصحابة كاملًا غير منقوص، من غير تصرف أو تفريق بين حال وأخرى أو ظاهر وباطن وما أشبه ذلك، وبمعنى أخر أن وجود موانع التكفير في حقهم وانعدامها سواء، ولا شك في بطلان هذا القول ولا محيص من رده.

فهو هنا بين أمرين:

الأول: - أن يجعل تكفير الصحابة لأعيان الطائفة التي شهدوا لقتلاها بأنهم في النار، راجعًا لمعرفتهم بحالها، وعليه فالحكم بالكفر على أعيان الطوائف التي طرأت بعدهم - ومنها أنصار الحكام المرتدين - متوقف على معرفة أحوال هذه الطوائف وذلك يكون بالنظر لموانع التكفير وشروطه وجودًا وعدمًا، وعليه فيختلف الحكم فيها من طائفة إلى طائفة، ومن مكان إلى مكان، ومن زمان إلى زمان تبعًا لتغاير أحوالها، وعندها لا معنى لذكر إجماع الصحابة على تكفير أعيان (أنصار أئمة الردة) ، إذ إن إجماعهم في حقيقة الأمر إنما هو على كفر النوع لا على كفر العين، بمعنى أنهم أجمعوا على أن من ناصر إمامًا من أئمة الردة وعضده على المسلمين قد ارتكب كفرًا أكبر مخرجًا من الملة - وهذا لا شك فيه عند أحد -، ثم أوكلوا تكفير أعيان هذه الطائفة المناصرة لما يعرف من حالها، وعليه فلكل طائفة حالها الخاص الذي ينبني عليه معرفة حكمها، والمقصود بمعرفة حالها معرفة مدى وجود موانع التكفير من عدمها عند أفراد هذه الطائفة، و مدى انتشارها وشيوعها بينهم، وهذا لا يعني بالضرورة البحث والتنقيب عن هذه الموانع، بل اعتبار ذلك بما هو شائع ظاهر منتشر بينهم، وبما هو ومعلوم ومدرك من حالهم، ونضرب لذلك - أي لتغير الحكم بتغير الأحوال - مثلًا يتضح به المراد، فنحن نعلم أن بعض العلماء الذين لم يكفروا مانعي الزكاة الذين قاتلهم الصحابة كان بسبب اعتقادهم وجود موانع للتكفير في حقهم، من

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت