الإسلام ثابتًا له، حتى يُعلَم زوال المانع الذي تلبس به، وسواء في ذلك الممتنع والمقدور عليه، أما أن يُجعل تأثير موانع التكفير خاصًا بأحكام الآخرة، مع القول بكفر صاحبها في الدنيا فهذا قول عجب! فالخوارج مثلًا، قد استحلوا دماء المسلمين وأموالهم، وحكموا بالكفر على أفاضل الصحابة وكبراءهم، ممن شهد الدليل القاطع بصحة إيمانهم، واستقامة دينهم، وحسن عاقبتهم، ومع هذا لم يكفرهم الصحابة لتلبسهم بالشبهة المانعة من ذلك، وقد كانوا ممتنعين بالشوكة، بل ناظرهم الصحابة وحاوروهم لكشف شبهاتهم، وعلى رأسهم على بن أبي طالب، وابن عباس الحبر فهلاَّ حكم الصحابة - رضي الله عنهم - بكفر الخوارج (ظاهرًا) ، وامتنعوا من ذلك (باطنًا) ، بحجة امتناعهم بالشوكة مع احتمال وجود موانع التكفير عند بعضهم، قال ابن قدامة ـ رحمه الله ـ: (وإن استحل قتل المعصومين وأخذ أموالهم بغير شبهة ولا تأويل فكذلك ـ يعني يكون كافرًا ـ وإن كان بتأويل كالخوارج، فقد ذكرنا أن أكثر الفقهاء لم يحكموا بكفرهم، مع استحلالهم دماء المسلمين وأموالهم، وفعلهم لذلك متقربين به إلى الله تعالى ـ إلى أن قال ـ وقد عرف من مذهب الخوارج تكفير كثير من الصحابة ومن بعدهم، واستحلال دماءهم وأموالهم، واعتقادهم التقرب بقتلهم إلى ربهم، ومع هذا لم يحكم الفقهاء بكفرهم لتأويلهم، وكذلك يُخرَّج في كل محرم استُحِل بتأويل مثل هذا) [المغني 12/ 276] ، وقال شيخ الإسلام ـ رحمه الله ـ (والخوارج المارقون الذين أمر النبي - صلى الله عليه وسلم - بقتالهم قاتلهم أمير المؤمنين علي بن أبي طالب أحد الخلفاء الراشدين، واتفق على قتالهم أئمة الدين من الصحابة والتابعين ومن بعدهم، ولم يكفرهم علي بن أبي طالب وسعد بن أبي وقاص وغيرهما من الصحابة، بل جعلوهم مسلمين مع قتالهم، ولم يقاتلهم علي حتى سفكوا الدم الحرام، وأغاروا على أموال المسلمين فقاتلهم لدفع ظلمهم وبغيهم، لا لأنهم كفار، ولهذا لم يسب حريمهم، ولم يغنم أموالهم.) [مجموع الفتاوى 3/ 282] ، فتأمل كيف امتنع الصحابة من تكفير هذه الطائفة الممتنعة ذات الشوكة - وهي الخوارج - ظاهرًا وباطنًا لِمَا علموا عندها من موانع التكفير، وهي تأويلهم في كل ما كانوا يرتكبونه من الفظائع العظيمة، وهذا يبين ما ذكرناه من أن الطائفة الممتنعة على مكفر من المكفرات، لا يحكم بتكفير أفرادها إلا حيث علم عدم وجود موانع التكفير عندهم، أما تكفيرهم مع العلم بوجودها، أو مع قوة الاحتمال الذي يمنع من تكفيرهم على الحقيقة فلا، ولهذا قال شيخ الإسلام في تكفير الخوارج وغيرهم (وأما تكفيرهم وتخليدهم ففيه أيضا للعلماء قولان مشهوران، وهما روايتان عن أحمد والقولان في الخوارج والمارقين