وهذه طريقة السلف في الاستدلال بالكتاب والسُنة، إذن شبهتهم أنهم مع إقرارهم بمفردات توحيد الربوبية، قالوا: [مَا دَعَوْنَاهُمْ وَتَوَجَّهْنَا إِلَيْهِمْ إِلا لِطَلَبِ الْقُرْبَةِ وَالشَّفَاعَةِ إِلا لِطَلَبِ الْقُرْبَةِ وَالشَّفَاعَةِ] قاسوا الله ـ جلّ في عُلاه ـ على ملوك الدنيا، قالوا: ملوك الدنيا إذا أردنا أن نرفع حوائجنا إليهم لابد ممن يعرفهم وممن لهم تأثير عليهم، فحينئذٍ قالوا: عن طريق هؤلاء نستطيع أن نصل إلى ملوك الدنيا، قاسوا الخالق ـ جلّ في عُلاه ـ على هؤلاء البشر الضعفاء، فجعلوا وسطاء بينهم وبين الله تعالى في التقرب إليه برفع حوائجهم إليه، ولذلك قال هنا: [مَا دَعَوْنَاهُمْ] يعني هذه المعبودات الباطلة، [وَتَوَجَّهْنَا إِلَيْهِمْ] بالعبادات من النذر والذبح والطواف ونحو ذلك، [إِلا لِطَلَبِ الْقُرْبَةِ] إلى الله بهم، [وَالشَّفَاعَةِ] عند الله تعالى بهؤلاء، فحينئذٍ هم أرادوا ما عند الله تعالى، وهم جمعوا بين عبادة الله تعالى وبين عبادة غيره، فيلزم من هذا أن المشركين قد عرفوا شيئًا من توحيد الألوهية. أثبتنا في القاعدة الأولى أنهم عرفوا ماذا؟ أقروا بتوحيد الربوبية في الجملة، في هذه القاعدة نستفيد أنهم أقروا أيضًا بأن الله معبود، وصرفوا أنواعًا من العبادات لله ـ جلّ وعلا ـ إذن أتوا بماذا؟ أتوا بشيء من توحيد الإلهية، ولكن وقع عندهم الشرك في تسوية غير الله بالله ـ جلّ وعلا ـ ولذلك عرّف بعضهم الشرك بأنه تسوية الخالق بالمخلوق، أو تشبيه الخالق بالمخلوق، أو تشبيه المخلوق بِ بالخالق، إذن الشرك فيه معنى ماذا؟ معنى التسوية ومعنى التشبيه، {إِذْ نُسَوِّيكُم بِرَبِّ الْعَالَمِينَ} الشعراء98 هنا التسوية، نفهمها بالآيات التي أقروا فيها بتوحيد أو بجمل من توحيد الربوبية، {إِذْ نُسَوِّيكُم بِرَبِّ الْعَالَمِينَ} [الشعراء98] في كونكم خالقين كما يخلق الله، أو رازقين كما يرزق الله، أو مدبرين كما يُدبر الله؟ لأ؛ لأن الله تعالى أثبت أنهم ماذا؟ يُقرون بهذه المفردات، إذن لم يبقى إلا {إِذْ نُسَوِّيكُم بِرَبِّ الْعَالَمِينَ} [الشعراء98] في كونكم معبودين كما يُعبد الله ـ عز وجل ـ، حينئذٍ سوّوا بين الخالق والمخلوق في صرف العبادة لغير الله ـ جلّ وعلا ـ، وهذا فيه إثبات لتوحيد الإلهية، لكنه ليس (مُعتبرٌ) شرعًا .. ليس مُعتبرًا شرعًا؛ لأن توحيد الإلهية لا يتبعض .. لا يتبعض ـ لا يأتي يصلي الخمس صلوات يوم السبت لله، ويوم الأحد لغير الله ـ، نقول هذا فيه تبعيض، وإذا كان كذلك عاد على أصله بِ بالنقض، ولذلك لا يسمى توحيد إلهية، أو توحيد عبادة إلا باعتبار ظنه هو لا شرعًا؛ لأن العبادة من شرط صحتها الإخلاص، وهذا منتفٍ، وإذا انتفى شرط من شروط صحة العبادة حينئذٍ عاد على العبادة بماذا؟ بالإبطال، كمن صلى وهو ..