الصفحة 117 من 166

من الشرك الأكبر، بل لابد وأنه يزخرفه ويلبسه لباسًا غير لبوسه، لماذا؟ لأن هذه الألفاظ فيها نوع خفة، وفيها نوع جاذبية ولذاذةٍ عند السامع، حينئذٍ قد يُغلف الشرك أو تُغلف البدعة أو الضلالة أو المعصية بغير اسمها؛ من أجل ترويجها، وهنا أطلقوا على الشرك ماذا؟ الزلفى، وأطلقوا على الشرك أيضًا الشفاعة، {إِلاَّ لِيُقَرِّبُونَا} هذا فيه حصر، وهذا الذي ذكره المصنف ـ رحمه الله تعالى ـ [مَا دَعَوْنَاهُمْ وَتَوَجَّهْنَا إِلَيْهِمْ إِلا لِطَلَبِ الْقُرْبَةِ وَالشَّفَاعَةِ] ففيه حصر، نفيٌ لشيء لم يُذكر في النص، وإثبات لما ذُكر، فحينئذٍ دلّ على أنهم لم يقصدوا من هذه العبادات المتوجهة إلى غير الله ـ عز وجل ـ إلا القربى والشفاعة عند الله تعالى، فحينئذٍ هم أرادوا ما عند الله ـ سبحانه ـ لكنه ليس بالطريق الشرعي، وإذا أراد المكلف أو المسلم ما عند الله ـ جلّ وعلا ـ فقد بيّن الله ـ سبحانه ـ كيف يُوصَلُ إليه، وهذا عن طريق، ماذا؟ عن طريق إرسال الرسل، والله ـ عز وجل ـ بيَّن في محكم الآيات أنه ما خلق الجن والإنس إلا من أجل، ماذا؟ من أجل العبادة، وهذه العبادة لم يتركها ـ سبحانه ـ للخلق، أن يجعلوا ثَمّ عبادات من أهوائهم وعقولهم وآرائهم وأمزجةٍ من العادات والتقاليد ليصلوا بها إلى الله ـ سبحانه ـ بل بيّن أنه خلقهم للعبادة، ثم أرسل الرسل فأوجب طاعتهم، وأن ما جاء عن طريق الرسل هو الذي يكون مرضيًا عند الله، وما لم يأتِ عن طريق الرسل فلن يكون مرضيًا عند الله البتّة؛ لأن الدين هو الوحي، والوحي هو الدين، فكل ما كان من الوحي فهو من الدين، وكل ما لم يكن من الوحي فليس من .. من الدين، وهؤلاء لمّا نظروا إلى عقولهم وأهوائهم وحماقاتهم قاسوا الرب ـ سبحانه وتعالى ـ على المخلوق، فصرفوا نوعًا بل أنواعًا من العبادات لغيره ـ تعالى ـ، {مَا نَعْبُدُهُمْ} قالوا لمّا أُنكر عليهم {إِلاَّ لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى} قال قتادة: وذلك أنهم إذا قيل لهم: من ربكم؟ ومن خلقكم؟ ومن خلق السماوات والأرض؟ قالوا: الله، فيقال لهم: فما معنى عبادتكم الأوثان؟ قالوا: ليقربونا إلى الله زلفى ـ وهذا هو محل الشاهد من النص ـ، ودليل الشفاعة ـ أراد المصنف أن يُبين أن هذا اللفظ جاء في .. في الشرع ـ قال: [ {وَيَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللهِ مَا لاَ يَضُرُّهُمْ وَلاَ يَنفَعُهُمْ} ] [يونس: 18] . فهذا الوصف متفقٌ عليه، الله ـ عز وجل ـ حكم على هذه الأصنام وهذه الأولياء والمعبودات من دونه بأنها لا تنفع ولا تضر، وهم يعلمون أنها لا تنفع ولا تضر، ولكن هذه الشُبهة التي ذكرناها صرفوا العبادة لغير الله [ {وَيَقُولُونَ هَؤُلاء} ] [يونس: 18] . المشار إليه: ما يعبدونه من دون الله، [ {شُفَعَاؤُنَا} ] أي: وسطاؤنا عند الله ـ جل وعلا ـ بقضاء حوائجنا، فيطلبون منها ما الأصل أنه يُطلب من الله تعالى مباشرةً، فيطلبون من هذه المعبودات ما الأصل أنه يُطلب من الله ـ سبحانه ـ مباشرةً، [ {وَيَقُولُونَ هَؤُلاء شُفَعَاؤُنَا عِندَ اللهِ} [يونس: 18] ].

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت