الصفحة 118 من 166

إذن هذه هي الشُبهة التي تمسك بها المشركون وهي الشفاعة الشركية المنفية في الكتاب والسُنة، ثم قال المصنف ـ رحمه الله تعالى ـ بعد ما قرر هذه القاعدة، وهذا يعتبر استطرادًا منه ـ رحمه الله ـ في تقسيم الشفاعة إلى نوعين .. تقسيم الشفاعة إلى .. إلى نوعين، وهذا يؤكد ماذا؟ يؤكد أن القربة بمعنى الشفاعة، لما نُظر في الكتاب والسُنة؛ لأنه يرِد السؤال إذا قيل بأن الشفاعة قسمان .. قسمان اثنان، إذن له مفهوم أو لا؟ له مفهوم ليست واحدة الشفاعة في الكتاب والسُنة، وليست أكثر من .. من قسمين، فالعدد له مفهوم من جهة القلّة ومن جهة الكثرة، يرد السؤال، ما الدليل على أن القسمة ثنائية لا ثلاثية ولا أحادية؟ نقول التتبع والاستقراء، تتبع أهل العلم الكتاب ـ القرآن ـ وكذلك السُنة، فوجدوا أن الشفاعة جاءت في آيات كثيرة مثبتة، وجاءت كذلك في آياتٍ كثيرة منفية، إذن جاء نفيها، وجاء ماذا؟ إثباتها، فآيات النفي نحو {لَيْسَ لَهُم مِّن دُونِهِ وَلِيٌّ وَلاَ شَفِيعٌ} [الأنعام51] {وَلاَ شَفِيعٌ} .. ليس لهم شفيع، هذا نفيٌ مطلق، وقوله: {مَا لَكُم مِّن دُونِهِ مِن وَلِيٍّ وَلَا شَفِيعٍ أَفَلَا تَتَذَكَّرُونَ} [السجدة4] ، هذا فيه نفيٌ كذلك مطلق، وكذلك جاء {لَيْسَ لَهُم مِّن دُونِهِ وَلِيٌّ وَلاَ شَفِيعٌ} [الأنعام51] ، وجاء في الإثبات قوله تعالى: {وَكَم مِّن مَّلَكٍ فِي السَّمَاوَاتِ لَا تُغْنِي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئًا إِلَّا مِن بَعْدِ أَن يَأْذَنَ اللَّهُ لِمَن يَشَاءُ وَيَرْضَى} [النجم26] ، {لَا تُغْنِي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئًا إِلَّا} وما بعد (إلا) يأخذ حكم نقيض ما قبل (إلا) ، فنفى ما قبل (إلا) ، وأثبت ما بعد (إلا) ، فحينئذٍ دل على أن جزءًا من الشفاعة يعتبر .. يعتبر مثبتًا، كذلك قال تعالى: {وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى} [الأنبياء28] .. {وَلَا يَشْفَعُونَ} نفي، ثم استثنى، وما بعد (إلا) يأخذ نقيض حكم ما قبل (إلا) ، إذن أثبت ونفى، فإذا أثبت ونفى، حينئذٍ يقال: بأن اللفظ الواحد كالشفاعة إذا أُثبت ونُفي في محلٍ واحدٍ وكان المتكلم غير معصوم ـ وهذا في الخلق ـ، نقول: يُحكم عليه بأنه؟ بماذا نحكم عليه؟ إذا كان البشر يتكلمون فأثبت ونفى، نقول: هذا تناقص .. هذا تناقص، فإذا أثبت زيدٌ قائم، زيدٌ ليس بقائم، وكان المتكلم واحدًا ـ في وقتٍ واحدٍ، وزمنٍ واحدٍ، ومكانٍ واحدٍ ـ نقول: هذا يسمى ماذا؟ يسمى تناقصًا؛ لأن اللفظ الواحد إثباته ونفيه في زمن واحدٍ، هذا محال؛ لأنه إثبات لِ النقيضين، وأما إذا كان المتكلم الله ـ عز وجل ـ، فحينئذٍ لابد من صرف كلِّ لفظٍ على معنى يغاير ذلك المعنى المنفي في موضعٍ آخر، فإذا كان لفظ الشفاعة جاء في موضعٍ بالإثبات {مَن ذَا الَّذِي يَشْفَعُ} [البقرة255] وقال: {وَلَا يَشْفَعُونَ} إذن أثبت ونفى، فحينئذٍ لزومًا نجعل المعنى الذي أُثبت في آية مغايرًا للمعنى الذي نُفي في آية أخرى.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت