الصفحة 158 من 166

لو فعلوا بعد البيان لكفروا، هم أرادوا بالنية والاعتقاد، ولكن صرفهم النبي - صلى الله عليه وسلم - وبيّن أن هذا من جنس الوثنية والشرك الذي تبرؤا منه، فلما كفوا لم يُنزل عليهم الحكم؛ لأنهم معذرون بالجهل، ولكن لو طالبوا وفعلوا حينئذٍ حُكم بـ بكفرهم؛ لأنه صار الأمر مُبَينًا وواضحًا [فَقُلْنَا: يَا رَسُولَ اللهِ اجْعَلْ لَنَا ذَاتَ أَنْوَاطٍ كَمَا لَهُمْ ذَاتُ أَنْوَاطٍ] يعني نريد سدرة نُعلق عليها الأسلحة كما لهؤلاء المشركين سدرة يعلقون عليها الأسلحة فنتبرك بها كما تبركوا بها، وهم تبركهم في الظاهر ـ والله أعلم ـ يعتبر من الشرك الأكبر؛ لأن التبرك ليس مطلقًا، التبرك بالأسباب ليس مطلقًا يعتبر شركًا أكبر بل فيه تفصيل: إن كان يُرجى من ذاتها ـ ذات السدرة ـ النصر ـ هي التي تهب النصر وهي التي ترفع الهزيمة ـ حينئذٍ صار شركًا أكبر، وإذا قصدوا أن النصر من عند الله وأن النصر هبة من عند الله وأن دفع العدو منَّه ونعمة من عند الله لكن هذا سبب كما اتخذوا السلاح سبب، اتخذوا السدرة سببًا، هذا يسمى ماذا؟ شركًا أصغر وليس بشرك أكبر، حينئذٍ لا يُحمل الحديث مطلقًا على الشرك الأكبر، بل لابد من .. من التفصيل، وأما حال المشركين فهذا إنما يُنزل على الشرك الأكبر؛ لأنه هو الأصل فيهم، وهم لا يعترفون بمثل هذه الأمور، قال: قلنا [يَا رَسُولَ اللهِ اجْعَلْ لَنَا] يعني سدرة [ذَاتَ أَنْوَاطٍ] سدرة نعلق أسلحتنا عليها تبركًا بها سواءٌ كان بركة نصر أو غير ذلك، والظاهر أنهم يريدون بركة النصر لذكر الأسلحة ـ هذا الظاهر وبعضهم عمم ـ [اجْعَلْ لَنَا ذَاتَ أَنْوَاطٍ كَمَا] مثل ما لهم [ذَاتُ أَنْوَاطٍ. الحَدِيثَ.] الحديث هكذا قال المصنف يعني أكمل الحديث، والحديث بالنصب على أنه مفعول به لفعل محذوف، ويجوز الرفع والنصب أولى، فيجوز الرفع (الحديثُ) أكمله .. (الحديثُ) أكمله والنصب كذلك على باب الاشتغال يجوز الوجهان. فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ـ نكمل الحديث ـ:"الله أكبر ـ كبر متعجبًا من قولهم ـ وفي رواية (سبحان الله) ـ"نزه الله ـ عز وجل ـ عن هذا الشرك، ولو كان أصغر؛ لأن الشرك في نفسه ظلم ومن أعظم الظلم سواء كان أكبر ـ فهو أشد ـ أو كان أصغر {ِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ} [لقمان13] ؛ ولذلك قال أهل العلم: الشرك الأصغر أكبر من الكبائر، يعني من حيث الجنس، وأما من حيث الأفراد فقد يكون بعض الكبائر (أشدُ) أشدَّ .. قد يكون بعض الكبائر أشدَّ من الشرك الأصغر، وأما من حيث الجنس فجنس الشرك الأصغر أعظم من جنس الكبائر، وأما من حيث الأفراد فقد يكون بعض الكبائر أعظم من الجنس مِن الشرك الأصغر من بعض الأفراد، فحينئذٍ المفاضلة هنا والتعظيم ليس مطلقًا بكل فردٍ فرد؛ ولذلك بعض الكلمات الخفيفة التي قد تقال ونحكم عليها بأنها شرك لفظي هذا لاشك أنه أهون من الزنا بالأم مثلًا ـ بالوالدة ـ هذا أعظم، فكيف نقول بأن الشرك الأصغر أعظم من الكبائر ثم نعكس في مثل هذا المثال؟ نقول: لا.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت