الصفحة 31 من 166

لا زال الحديث في مقدمة هذه الرسالة العظيمة، وهي القواعد الأربعة استفتحها المصنف ـ رحمه الله تعالى ـ كعادته، قلنا بالدعاء لِ للطالب والقارئ. حيث قال في كلمات عظام ذوات معاني دقيقة جليلة: [أَسْأَلُ اللهَ الْكَرِيمَ رَبَّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ أَنْ يَتَوَلاكَ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ. وَأَنْ يَجْعَلَكَ مُبَارَكًا أَيْنَمَا كُنْتَ، وَأَنْ يَجْعَلَكَ مِمَّنْ إِذَا أُعْطِيَ شَكَرَ، وَإِذَا ابْتُلِيَ صَبَرَ، وَإِذَا أذَنبَ اسْتَغْفَرَ. فَإِنَّ هَؤُلاءِ الثَّلاثُ عُنْوَانُ السَّعَادَةِ.] فمن استجمعها فقد استجمع أصول السعادة ومن فوتها أو فوت بعضها فقد سلك طريق الشقاء والشقاوة؛ لأنهما نقيضان السعادة والشقاوة {فَمنْهُمْ شَقِيٌ وَسَعِيدٌ} فهما صنفان لا ثالث لهما، وليس بينهما واسطة قلنا المراد بهذه التنكيت أو الإشارة إلى أن طالب العلم أحوج ما يكون إلى أن يكون مرتبطًا بربه جل وعلا، وهذا ما يُعَنون له عند أهل العلم بالتعبد قبل طلب العلم وهذا كان معروفًا في القديم، كان لا يرحل للحديث إلا بعد أن يختم القرآن ويتنسك ـ هكذا يقولون يتنسك ـ بمعنى أنه يتعبد؛ لأن العلم يحتاج إلى صبر، وإلى إلى مجاهدة، وهذا ضعيف الإيمان لا يتأتى منه هذا، ضعيف الإيمان الذي تغلبه شهواته، ويقع في الشهوات كبارها قبل صغارها، نقول هذا لا يصبر على طلب العلم، وإنما الجهاد والمجاهدة تكون لمن استطاع أن يقوي إيمانه، وأن يعرف أن الإيمان يزيد وينقص وإنما يزيد بالطاعات وينقص بـ بالمعاصي، فإذا كان كذلك حينئذ لابد من السعي في تحقيق زيادة الإيمان لتعلو همته، ولذلك ابن القيم ـ رحمه الله تعالى ـ في موضع ما يربط علو الهمة في الطلب والتحصيل بزيادة الإيمان، فيقول ـ رحمه الله ـ: متى ما زاد الإيمان زادت الهمة وعلت في طلب ماذا؟ في طلب العلم الشرعي؛ لأنه إذا زاد إيمانه ازادت محبته لله تعالى، وإذا ازادت محبته لله تعالى ازداد شوقًا إلى معرفة المحبوب، وهذا إنما يكون بماذا؟ يكون بالعلم، بالوحي لا طريق له إلا العكوف على العلم الشرعي. فمتى ما زاد الإيمان علت الهمة، ومتى ما ضعف الإيمان ضعفت الهمة، حينئذ إذ شعر الطالب بأنه ذو همة ضعيفة أو فيه نوعًا من ذلك، حينئذ يرجع إلى نفسه ويحاسب نفسه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت