وقد يقول الدكتور، أو أحد ممن ينتصرون له بغير الحق، إن الدستور الذي يقصد هو الكتاب والسنّة، والأمة التي يقصدها هي أمة الإسلام ..
وأقول: لا، لأن اللغة والمصطلحات، مع الواقع والخلفيات، والإطار العام الموضوع للبحث منذ البداية، كل ذلك لا يصب في البحث الشرعي الذي يسمي الأشياء بأسمائها، ويضع الأمور في مواضعها، دون الحاجة إلى اللجوء إلى كلمات تحتمل وتحتمل ... فإنّ ذاك رأس التلبيس، وأسّ التّدليس .. أعاذنا الله جميعا من سيئة التميع .. ومهلك التنطع.
بل هناك ما يفيد قطعا أنه لا يريد بالدستور ما أنزل الله، إنما يريد ما شرعه العباد .. وهو قوله:"إنّ الدستور ينصّ ـ مع التمسك بالديمقراطية ـ على أنّ دين الدولة هو الإسلام، وأنّ الشريعة الإسلامية هي مصدر القوانين".
ولست أدري أهو دفاع عن الدستور المصري، أم عن كل الدساتير في كل البلاد الإسلامية، إذ كلها لا تتنكّر صراحة لإسلامية الدولة، حتى ولو لم يكن في الدولة إسلام البتّة.
وعلى كل حال، فهي جملة فيها الشيء ونقيضه: النص على أنّ دين الدولة هو الإسلام ـ ولست أدري عن أي دولة يتحدث بالتحديد ـ مع التمسك بالديمقراطية، وعلى أسوء حال.
ولنتجاوز جدلا هذا التناقض البليغ، ولنسأل الشيخ عن تلك القوانين الصادرة في مصر وغيرها عن الشريعة الإسلامية، أهي قوانين الربا المعمول بها بشكل عام ومنتظم في كل المؤسسات المالية والمصرفية والتجارية والإستثمارية في الداخل والخارج؟ أم قوانين الجنايات التي لا تعرف حدّا واحدا من حدود الله تعالى، ولا قصاصا واحدا مما كتبه الله سبحانه؟ أهي قوانين الجندية والتجنيد المنظمة لأولوية الجهاد في سبيل الله، وضرب الجزية والخراج على أهل الكتاب وأشباههم، كما أمر الله؟ أم قوانين التجارة والصناعة التي تمنع تصنيع ما حرم الله جل جلاله والمتاجرة فيه؟ وغيرها من قوانين الصحافة والإعلام والإدارة والمؤسسات، وما إلى ذلك وفق المنظور الشرعي؟
وإني لا أتحدّث في دائرة الإجتهاد، بل في نطاق كليات الدين وثوابته .. أتُرى هذه القوانين الكفرية صادرة عن الكتاب والسنّة؟ أم على الله تفترون؟
فيا أيها الشيخ! ها أنت تجادل عن الدساتير والقوانين الوضعية الوضيعة وعن أهلها من القوميين والبعثيين والجمهوريين .. وها أنت خصيم لهم في الدنيا وهم خائنون لدين الله تعالى،