والحق يقال كان كلاما جميلا من الشيخ وما أفسده عليه سوى استشهاده به على تسويغ الديمقراطية والدعوة إليها باعتبارها الخلاص من كل استبداد والنجاة لكل العباد، في نظره، ولقد أخطأ ـ والله ـ في ذلك إلى حد بعيد.
فإذا كان الإستبداد والتسلط ممّا قاومه الإسلام وجرد له السيوف ووعد الشهداء جنة عرضها السماوات والأرض، فمعاذ الله أن يستبدل استبدادا باستبداد أو فسادا بفساد، وجاهلية بجاهلية.
إنه التسلّط على مصالح الناس، والعبث بها ذات اليمين واليسار، والإنفراد بالقرار داخل بطانة نفعية ومحمية بالحديد والنار. نعم، لقد كان فرعون مستبدّا، وكان النمرود مستبدّا، وكان غيرهم كثيرين مستبدين، والمستبدّون اليوم في كل مكان.
لكن دون مَن يستبدّون بالرأي والنظر؟ بل بالتشريع والتنفيذ والتأصيل والتّفريع؟
سيقول الديمقراطيون"أعداء الإستبداد": إنهم يستبدّون بذلك كله دون الشعب، ويستبدّون بثروات وخيرات الشعب دون الشعب ... ويضربون عرض الحائط في النهاية مطالب الشعب، بل ويضربون الشعب نفسه عرض الحائط .. وهذا واضح.
ولكن الذي يحتاج إلى الوضوح، هو أن الديمقراطية، علاوة على ما ذكرناه آنفا من حيث جوهرها .. تمثل عين الإستبداد، وذلك بالإنفراد بالتشريع والتنفيذ، استبداد دون الله تعالى، ودون كتابه العزيز وسنّة نبيه صلى الله عليه وسلم الحنيفية السمحة.
ولن يجد الشيخ في حياة البشر كافة، ديمقراطية واحدة تؤمن بشرع الله تعالى وتتّخذه الحُكم والحَكم، به تعدل وعلى هديه تهتدي ـ ولا واحدة ـ فلماذا المغالطة وتسمية الأشياء بغير أسمائها، متذرّعين بذريعة: العبرة بالمسميات والمضامين، لا بالأسماء والعناوين؟
فها هي ذي المسميّات والمضامين ناصعة ساطعة على حقيقتها: تشريع بغير ما أنزل الله، وحُكم به. سلطة تفرِضه، والويل لمن يرفضه ... فإذا اتّضح هذا، وهو واضح صابح والحمد لله، ماذا يفيد الكلام بعد ذلك في مجال الشورى والإنتخاب ومحاولة التوفيق والتلفيق بينهما؟