لقد قارن الشيخ القرضاوي بين الشورى والإنتخاب وقارب بينهما، وفي نفس الوقت أبطل تلك المقاربة المزعومة إبطالا، من حيث لم يدر، عندما أكّد على أنّ الشورى لا تكون في ثوابت الدين وكلياته، وأنها لا تُقبل إلا من ذوي العدل والإستقامة، وفي مجالات اجتهادية بحتة .. فماذا يريد الشيخ بعد هذا الذي عَلِمه من الشورى، ويعلم أنه بعيد كل البعد عن العملية الإنتخابية في أنحاء الدنيا برمّتها؟
وإلا هل عندكم علم بديمقراطية واحدة في الأرض كلها، لا أقول في تطبيقاتها وآلياتها فقط، بل في جوهرها ولبابها أيضا، واحدة تؤمن بأصول الإسلام وقواعده، ولا تناقش في ذلك أو تستفتي الشعوب فيه، وأنها فقط تستفتي الأمة في دائرة الإجتهاد، ولا شيئ إلا في دائرة الإجتهاد، وتفعل ذلك في نطاق الصالحين المصلحين؟ أين؟ ومتى كان ذلك؟ نعم، كان ذلك يوم كان الناس مسلمين، ولكنه كان إسلاما وليس ديمقراطية، شورى شرعية، وليس انتخابًا شعبيًا.
فهل يجهل الشيخ كيف تتم الإنتخابات هنا وهناك؟ هل يجهل أنّ الأصوات ـ وهي شهادات ـ داخل الصناديق موضوعة من طرف كل من هبّ ودبّ من الفسّاق والمجاهرين بالمعصية على اختلاف أنواعها، بل ومن الكفار والملاحدة من بني جلدتنا؟ طبعًا هناك أيضًا مسلمون، ولكنهم لا يعلمون. فما قيمة هذه الإنتخابات من الناحية الشرعية إذن، وربّنا سبحانه يقول: (ولا تَقْبَلوا لهم شهادةً أبدًا وأولئك هُمُ الفاسقون) ؟
إنّ الإنتخابات الديمقراطية في أنحاء المعمور، ما وُضعت أبدًا من أجل اختيار المصلحين من طرف الصالحين، ولا من أجل تقريب أهل الفضل والعِلم للنظر في مستجدّات الأمّة، ولا هي وُضعت أبدًا سعيًا في الوئام والمحبّة بين النّاس .. إنما، كما يعلم الجميع، كلما ضربت البلاد جائحة انتخابية، إلاّ أتت على الأخضر واليابس، وتركت عباد الله أعداءً ألدّاء، بعد أن كانوا إخوانا رحماء.