ولست أدري كيف غاب عن الشيخ يوسف أن جوهر الديمقراطية ولبابها ليس هو هذا الذي ذكره، بل هو ما يعلم كل باحث في هذا الوعاء"الديمقراطية"، وفي حمولته الفكرية والآلية التي ليست لهما معا مسحة من المصداقية الشرعية مبنىً ومعنىً، شكلا ومضمونا.
إن جوهر الديمقراطية بغض النظر عن المصطلح، الذي أرفضه رفضا تاما لما لقبول المصطلحات الأجنبية من استلاب لقداسة مصطلحاتنا الأصلية الأصيلة، ولما للمصطلحات عامة من تلاحم بين القلب والقالب من غير انفكاك.
ولا سيما والقضية هنا قضية الكليات والثوابت حيث الممانعة، لا قضية المستجدات القابلة للإجتهاد والمطاوعة.
أقول: بغض النظر عن الإسم والعنوان فإن جوهر الديمقراطية ولبابها هو استمداد التشريع كله من الشعب في أشخاص منتخبيه، الأرباب من دون الله.
وإن روح الديمقراطية ولبابها هو العلمانية ذاتها التي ظهرت ردة فعل للثيوقراطية في أسّها وأساسها.
وإن عُصارة الديمقراطية وخلاصتها وصفوتها هي الليبرالية المتسيّبة بين دهاليز الحريات الأربع: السياسية والفكرية والشخصية والمِلْكية.
وهي الأركان المقدسة التي تكفلت بشرحها ديباجة الإعلان العالمي لحقوق الإنسان منذ تسع وأربعين عاما وتكلفت بحمايتها الصهيونية والصليبية العالميتان.
الشيخ يعلم ولا شك مدى الكفر والشرك في ذاك الإعلان حيث نص في كثير من مواده على المساوات المطلقة بين العباد، بغض النظر عن الجنس والدين .. مساواة في كل شيء على الرغم من تشريع رب العالمين: (أفمن كان مؤمنا كمن كان فاسقا لا يستوون) ، (أفنجعل المسلمين كالمجرمين ما لكم كيف تحكمون) ، (كنتم خير أمة أخرجت للناس) .
وبخصوص الجنسين الذكر والأنثى فلا يخفى ما بينهما من فوارق في الخِلقة والتكوين والوظائف الفطرية والعضوية وبالتالي في المهمات الإجتماعية المنوطة بكل منهما (وما خَلَقَ الذّكر والأنثى إنّ سعيكم لشتّى) ، كما نص ذلك الإعلان على حرية الدين والتدين بين كل البشر لا وفق ما حكمت به شريعة الله تعالى ولكن وفق أهواء اليهود والنصارى الذين