الصفحة 17 من 375

في هذا الإطار المتميز بتحالفات ونفوذ عربي متقلب، كانت علاقائنا مع جاراتنا، الشعوب العربية المتفلية، الموضوع الأهم بالنسبة إلي في هذه المرحلة الأولى من عملي في ميدان السياسة الخارجية الإسرائيلية. على الرغم من أنني خدمت مدة سبع وعشرين سنة، كموظف مدني بعيد عن الأضواء، في أحد المراكز الأهم والأكثر حساسية، تحت إمرة رئيس الوزراء مباشرة. وأردنا تعزيز السلام مع مصر الذي بالكاد بلغ سنته الأولى، مستخدمين إياه كنقطة انطلاق لبلوغ دول عربية أخرى، آملين أن نسير هذه الأخيرة على خطى السادات. وكنا تواقين لمحو الآثار الناتجة عن ثلاثين سنة من العدواة والحرب.

وإذ أعود بالذاكرة إلى تلك الأسابيع الأولى من عملي في وزارة الخارجية في العام 1980، أدرك الآن أن معلوماتنا المتعلقة بكل القوى العاملة في رسم الساحة الشرق أوسطية وإعادة رسمها، لم تكن كافية، على الرغم من فهمنا العميق للشرق الأوسط.

وازداد هذا الأمر وضوحا بالنسبة إلي، مع كل زيارة قمت بها إلى مصر ولبنان)، فقد كانت مصر عدوننا. وخضنا حروبا متتالية ضدها، حتى أنها كانت الهدف الأساسي لأجهزة استخباراتنا، واعتقدنا أننا نعرف كل ما يجب معرفته عنها. ومع ذلك، كشف كل لقاء فيها - «أجرينا لقاءات عدة - نواحي جديدة للمجتمع المصري وسياسته. والحقيقة أن تقارير الاستخبارات ترسم عادة صورة واضحة ومحددة. وهي عادة لا تلتقط بسهولة العناصر المتنوعة المذهلة التي تشكل مجموعة، على الطريقة البيزنطية، مصر الحقيقية

وهكذا، كان تاريخ الأحداث في الشرق الأوسط خلال السنوات العشرين الماضية، أكثر تعقيدا مما عرفنا، فانطبع إدراك هذا الأمر في ذهني انطباعا قويا خلال الفترة التي تزيد عن الست سنوات، والتي خدمت خلالها كمدير عام لوزارة الخارجية الإسرائيلية، وهذا ما دفعني إلى اتخاذ القرار بوضع هذا الكتاب، بعد تقاعدي من وزارة الخارجية في العام 1987.

ديفيد کيمحي آذار 1991

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت