الصفحة 12 من 24

وأما ما حاء في حديث عائشة عليها رضوان الله عليها أنها قالت: (ما رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم صائمًا العشر قط) , فإن هذا قد رواه الإمام مسلم في كتابه الصحيح من حديث الأعمش عن إبراهيم عن الأسود عن عائشة عليه رضوان الله تعالى وقد أعل, أعله الدارقطني بالإرسال, فإنه رواه سفيان يرويه عن الأعمش عن إبراهيم عن الأسود مرسلًا, والصواب في ذلك الوصل؛ فإن أكثر أصحاب الأعمش يروونه موصولًا؛ ولهذا أخرجه مسلم رحمه الله في كتابه موصولًا. ونفي عائشة عليها رضوان الله تعالى: (أنها لم تر النبي عليه الصلاة والسلام صام في العشر) , يحمل على ظاهره, وإن كان لا يدل على النفي على الإطلاق, ولكن يقال: إن الأغلب من حال النبي عليه الصلاة والسلام أنه لم يصم.

وإنما لم يصم النبي عليه الصلاة والسلام لأمور: منها: أن هذا الفضل الذي شرعه الله عز وجل لعله جاء متأخرًا, والنبي عليه الصلاة والسلام انشغل في هذه العشر بحجه, وأرادت عائشة عليها رضوان الله تعالى أن تبين أن النبي عليه الصلاة والسلام لم يصم قبل ذلك. وكذلك أيضا أن النبي عليه الصلاة والسلام ربما لم يصم إبقاء وإشفاقًا على أمته, فإن النبي عليه الصلاة والسلام يشفق عليهم ولو كان يحب الصوم, فإن النبي عليه الصلاة والسلام أفطر وهو صائم الفريضة في السفر, وظاهر حاله أنه يريد الصيام, ولكن لما رأى المشقة بالأمة أفطر عليه الصلاة والسلام؛ إبقاء ورحمةً بهم. لهذا نقول: إن عدم ثبوت الصيام عن النبي عليه الصلاة والسلام مع ثبوت الأمر بذلك, والحث على العمل على سبيل العموم لا يعني عدم أفضلية الصيام في هذه العشر. وقد كان عمر بن الخطاب عليه رضوان الله تعالى يصوم هذه العشر، بل يؤخر قضاء رمضان إليها, وفي هذا إشارة أن عمر بن الخطاب لم يجعل قضاء رمضان في شوال؛ وذلك لفضل العشر على شوال.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت