فهذا إذًا هو من السنن التي يعلن بها الإنسان ليراه الناس ويقتدوا به, فيكون من الأمور التي يشرع فيها الجماعة من غير مواطأة, ككثير من الأحكام التي تشرع فيها الجماعة, فيفعله الإنسان علانية ويتأكد في حقه, كمسألة شهود المساجد، ويراه الناس في ذلك كمسألة الاعتكاف، ولا يقول الإنسان: إنه يبتعد عن أنظار الناس, ويعتكف في مكان لا يراه, بل النبي عليه الصلاة والسلام اعتكف وهو في موضع يراه الناس, كذلك صلاة الجماعة, كذلك في الجلوس حتى الإشراق وإن رآه الناس, فهذا فيه إحياء السنن. كذلك التسبيح والتهليل في أدبار الصلوات, ورفع الصوت في ذلك كما جاء في حديث عبد الله بن عباس قال: كنا نعرف انتظار صلاة النبي عليه الصلاة والسلام بالتكبير, يعني: أنه يكبر بعضهم مع بعض ويسمع بعضهم بعضًا, وهذا من أمور إحياء السنن.
وثمة مسألة وهي وقت التكبير المقيد أدبار الصلوات, هل يقدم على ذكر الصلاة أم لا؟ معلوم أن الإنسان إذا سلم ينشغل عادة بذكر الصلاة, وهي الاستغفار ثلاثًا, ثم التهليل والتكبير والتحميد, وما يأتي بعد ذلك من ذكر كقراءة آية الكرسي على قول جماعة من العلماء, كذلك سورة الفلق, وسورة الناس وغير ذلك, فهل يقدم التكبير عليها أم لا؟ نقول: إنه لا يحفظ في هذا شيء عن النبي عليه الصلاة والسلام, ولا شيء منضبط واضح صريح عن الصحابة عليهم رضوان الله تعالى, وإنما جاء أنهم يكبرون أدبار الصلوات, فلو كبر الإنسان قبل الذكر أو بعده, فالأمر في ذلك مما لا بأس به, ولو قدم ذكر الصلاة على عجل باعتباره ألصق بها, فإن هذا هو الأقرب, إلا إذا كان الإنسان يريد أن يحيي سنة, فبعض الناس مثلًا يقوم ولا يعرف التكبير, فيريد أن يكبر فلا حرج عليه حينئذ.