الصفحة 20 من 31

كذلك أيضًا إذا كانت فتنة قد أطلت بأنيابها أن يبينها لمن يدركها وألا يبلغها لغيرهم، ولهذا أبو هريرة عليه رضوان الله تعالى قد أدرك شيئًا من أمر الفتنة وما بلغه للناس، وكذلك معاذ بن جبل لديه شيء من أمر الفتنة، وهو من مسائل الدين، فإن كثيرًا من الناس إذا تفقه في بعض مسائل الدين ضل وأضل، وذلك إما لهوىً في نفسه أو لمطمع كامن يجعله يتخطى بعض المسائل إلى غيرها، فمثل ذلك جهله بمسائل الدين أولى من معرفته، وكثير من الناس الجهل خير له من العلم؛ وذلك يرجع فيه إلى المبلغ، ولهذا معاذ بن جبل قد كتم ما جاء عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في قول النبي صلى الله عليه وسلم: (من قال: لا إله إلا الله خالصًا من قلبه دخل الجنة) ، فأخبر بها قبل وفاته تأثمًا، يعني: أنه يخشى أن يكون ذلك من كتمان العلم. وفي هذا إشارة إلى أن الإنسان إذا جاز له كتم شيء من مسائل الأحكام الشرعية، فكتمان أمور الدنيا وأخبار الناس وكذلك المسائل العظيمة من الأمور المهمة التي ينبغي أن يتحلى بها أهل العقل والدراية، لأن كثيرًا من الأخبار والأقوال تجر إلى ما لا تحمد عقباه، ولهذا قد روى البخاري في كتابه الصحيح من حديث أبي هريرة عليه رضوان الله تعالى أنه قال: (حفظت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وعاءين: أما أحدهما فبثثته) ، يعني: للناس وهو ما يتعلق في أمر العامة كلهم، (وأما الآخر فلو بثثته لقطع هذا البلعوم) ، المراد بذلك: إما أن يقطع هذا البلعوم على سبيل الحقيقة من إراقة الدماء، أو المراد بذلك الدم الخاص به، وهنا إشارة إلى الفتنة التي تقع في الناس، أنهم يقتتلون فيما بينهم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت