الصفحة 7 من 31

ولهذا حث وحض رسول الله صلى الله عليه وسلم على أهمية معاهدة القرآن، ومعلوم أن القرآن من جهة اللفظ في ذاته لا ينتزعه شيء خارج عنه وإنما ينتزع ذاته، أعني القرآن ينتزع ذاته، والإنسان الذي لا يكرر القرآن ولا يتعاهد القرآن فإنه ينفلت منه، ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم كما جاء في الصحيحين وغيرهما: (تعاهدوا القرآن؛ فوالذي نفسي بيده إنه لأشد تفلتًا من الإبل في عقلها) ، والمراد بذلك أن الإنسان إذا لم يتعاهد الحق ويكثر من الإمساك به ولو لم يجذبه أحد، فإن ذلك يعني انصراف الحق بذاته على سبيل التدرج شيئًا فشيئًا حتى يغادر الحق من الإنسان ولا يبقى معه شيء. ولهذا رسول الله صلى الله عليه وسلم أشار إلى أن أعظم ما يستمسك به الإنسان للوقاية من طرق الشر هو الإمساك بالحق بذاته، فإن الإمساك بالحق بذاته يجعل الإنسان من أهل الثبات واليقين، وإذا استقر الحق في ذات الإنسان ولم يعده الإنسان من جهة التكرار وكذلك التأمل والنظر وكذلك الاعتبار بغيره، فإن الفائدة تلحق الأخرى معها، فإن الإنسان يضعف شيئًا فشيئًا؛ لأن ذلك الحق إذا زاح حل محله الباطل وهذا أمر معلوم ومشاهد، وهذا كما أنه في المعاني كذلك أيضًا في الأمور المحسوسة، وقد جعل الله جل وعلا كثيرًا من أمور المعاني تشابه المحسوسات. ونحن في المجالس القادمة بإذن الله جل وعلا وفي هذا المجلس بإذنه تعالى سنتكلم على جملة من الفتن, وتقرير جملة من المسائل التي تتعلق بالفتن، سواءً الفتن الحاضرة أو الفتن الغائبة، الفتن الباطنة أو الفتن الظاهرة، بحسب الحاجة إليه، والعالم والداعية والمبلغ عن الله جل وعلا ينبغي له أن يهتم بأمر نفسه من جهة ما يضطرب أو يشكل عليه من جهة معرفة الحق وكذلك تبليغه للناس، فإن النبي صلى الله عليه وسلم قد عاش مع أصحابه بما يحتاجون إليه من جهة جلب أسباب الخير وتكميلها، ودفع أسباب الشر وتنقصيها قدر الإمكان والوسع.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت