الصفحة 13 من 34

وبالغ ابن حزم في الرد فقال (3) :"أما قول أبي حنيفة في التحديد الذي ذكر، فلا نعلم له سلفًا فيه من الصحابة، ولا من التابعين رضي الله عنهم، بل ما نعلم أحدًا قاله قبلهم، وهم يعظمون خلاف الصاحب، إذا وافق تقليدهم ويقولون إن المرسل كالمسند"، وقد صح عن ابن عمر ما ذكرنا - من عدم الحاجة إلى محرم - ورُوي عن أم المؤمنين بأحسنِ مُرْسَلٍ، يمكن وجود مثلِه، ولا يعرف لهما مخالف من الصحابة رضي الله عنهم، وقد خالفهما أصحاب أبي حنيفة، وهذا تناقض فاحش·

أما احتجاجهم على تحديد السفر بالثلاث، أنه المتيقن، وغيرُه مشكوك فيه، فالجواب أن خبر ابن عباس لا تسافر امرأة إلا مع ذي محرم، جامع لكل سفر، فنحن على يقين من تحريم كل سفر عليها، إلا مع زوج أو محرم، ثم لا ندري أبَطَلَ هذا الحكم أم لا؟ فنأخذ باليقين ونلغي الشك، ولم يأخذوا بهذا ·

والمعروف عن الحنفية عدم الأخذ بالأخبار المضطربة، وخبر أبي سعيد وأبي هريرة وابن عمر وقع فيها اختلاف، فقد روي عن أبي سعيد لا تسافر فوق ثلاث ورُوي يومين، وعن أبي هريرة ثلاثًا، وفوق ثلاث، ويومًا وليلة، وعن ابن عمر ثلاثًا، وفوق ثلاث، بل اختلفت رواية بعضهم مع فعله، والرواية الوحيدة التي لا اختلاف فيها ولا اضطراب، هي رواية ابن عباس المطلقة ولم يأخذ بها الحنفية، وأخذوا برواية الثلاث، بل وحسب قواعدهم يجب أن يأخذوا بما فوق ثلاث، وأن يتركوا الثلاث وما دونها ·

كما أن للأحناف جولات في الرد على استدلال القائلين بإطلاق التحريم على كل سفر، كعدم أخذهم بحمل المطلق على المقيد، مع اتحاد الحُكْمِ وسَبَبِه، وترجيح رواية الصحابي على فعله ·

والذي يمعن النظر في جميع النصوص والآثار، وأقوال أهل العلم من السلف والخلف، يرى أن الحكم معللٌ، ولا يمكن إطلاقه على الجميع، فكما أن المنقول عن رسول الله صلى الله عليه وسلم جاء مناسبًا للحوادث والأسئلة، فواحدة قال لها لا تسافر فوق ثلاث، وأخرى لا تسافر ثلاثًا، وثالثة قال فيها يومين، ورابعة قال فيها يومًا وليلة وخامسة أطلق، ولم يُحددها بزمن أو مسير، وكذلك الحكم الآن، إذ من العسير القولُ بالحِلّ على إطلاقه، فيتخذه أهل الفسق والمجون مطية لانحرافهم، ويبني عليه أهل الأهواء مسائل وقضايا أخر، غير السفر ·

كما أنه من الصعب القول بالتحريم على إطلاقه، فيُقَيَّد بهذا القولِ ذوو الحاجات والظروف الصعبة ·

ولذا أرى أن يعطى لكل حادثة حكمها، ولكل صورة ما يناسبها، ولو أدى ذلك إلى القول بجواز بعض الأسفار، وحلِّها بدون محرم، فهذا القول بالحِلّ سبقني به بعضُ السلف وبعضُ الفقهاء ولا

(3) المحلى ج 7 ص 84 ·

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت