الشافعية والحنابلة إجراء قرعة بينهن، فمن أصابتها القرعة خرجت معه، ولا يقسم لبقية الزوجات ما يقابل مدة سفرها معه ·
قال البهوتي الحنبلي: وليس للزوج السفر بها - أي بإحداهن - أو بأكثر من واحدة منهن إلا بقرعة، أو رضاهن ورضاه، لأنه صلى الله عليه وسلم كان إذا أراد سفرًا أقرع بين نسائه، فمن خرج سهمها خرج بها معه فإن رضين ورضي بغيرها جاز لأن الحق لا يعدوهم (4) ·
وقال النووي: إذا أراد المسافرة ببعض زوجاته أقرع بينهن فيسافر بمن خرجت قرعته، ولا يقضي مدة السفر (5) ، وحجتهم فِعْلُه صلى الله عليه وسلم الثابت في كتب السنة (1) ، ولأن السفر بواحدة نوع تفضيل، والتسوية واجبة، قال ابن حجر: ويؤيد القول بالقرعة، أنهم اتفقوا على مدة السفر لا يحاسب بها المقيمة، بل يبتدئ إذا رجع بالقسم فيما يستقبل، فلو سافر بمن شاء دون قرعة، فقدم بعضهن في القسم للزم منه إذا رجع أن يوفي من تخلفت حقها، وقد نقل ابن المنذر الإجماع على أن ذلك لا يجب، فظهر أن للقرعة فائدة، وهي أن لا يؤثر بعضهن بالتشهي، لما يترتب على ذلك من ترك العدل بينهن (2) ·
وذهب الحنفية (3) والمالكية إلى عدم اشتراط القرعة، فللزوج أن يختار من زوجاته من شاء للسفر بها دون إجراء قرعة بينهن، وعللوا ذلك بالمصلحة، قال صاحب الدر:"ولا قسم في السفر دفعًا للحرج، وله السفر بمن شاء منهن، والقرعة أحب تطييبًا لقلوبهن"، قال ابن عابدين في حاشيته على ذلك:"لأنه قد يثق بإحداهما في السفر، وبالأخرى في الحضر، والقرار في المنزل لحفظ الأمتعة أو لخوف الفتنة، أو يَمْنَع من سفر إحداهما كثرةُ سمنها، فتعيين من يخاف صحبتها في السفر، لخروج قرعتها، إلزام للضرر الشديد، وأجاب عن الحديث بأنه للاستحباب وتطييب القلوب، لأن فعله صلى الله عليه وسلم لا يقتضي الوجوب، مع العلم أن القسم لم يكن واجبًا على رسول الله صلى الله عليه وسلم (4) ·"
وفي المدونة:"يخرج بأيتهن شاء، إلا أن يكون خروجه بإحداهن على وجه الميل لها على من معها من نسائه، ألا ترى أن الرجل قد يكون له المرأة ذات الولد والشرف، وهي صاحبة ماله ومدبرة ضيعته، فإن خرج بها وأصابها السهم ضاع ذلك من ماله وولده، ودخل عليه في ذلك ضرر، ولعلّ معها من ليس لها ذلك القدر ولا تلك الثقلة، وإنما يسافر بها لخفة مؤنتها ولقلة منفعتها فيما يخلفها له من ضيعته وأمره، ولحاجته إليها في قيامها عليه، فما كان من ذلك على غير ضرر أو ميل فلا أرى بذلك بأسًا (1) ·"
وذكر ابن عبد البر قولًا آخر عند مالك، ورجحه فقال:"وليس له إذا كنّ نسوة أن يسافر بإحداهن"
(4) كشاف القناع ج 5 ص 991 ·
(5) روضة الطالبين ج 7 ص 263 ·
(1) البخاري كتاب رقم 76 باب 79 ومسلم وسنن أبي داود كتاب النكاح باب في القسم بين النساء ·
(2) فتح الباري ج 9 ص 213 ·
(3) المبسوط ج 5 ص 912 ·
(4) حاشية ابن عابدين ج 3 ص 602 ·
(1) المدونة ج 2 ص 962 ·