الصفحة 16 من 58

قيل وقال، وكثرة السؤال، وإضاعة المال" [1] ."

9 -أن الاستعراض بالسيارات (التفحيط) يستغرق على فكر صاحبه فيصرفه عن مصالحه، وقد نقل العدوي اتفاق السلف على تحريم اللعب بالنرد معللا ذلك بأنه يوقع العداوة والبغضاء ويصد عن ذكر الله وعن الصلاة، ويلهي القلب ويشغله ويغيب اللاعب به عن مصالحه [2] .

إضافة إلى ما في الاستعراض بالسيارات (التفحيط) من قتل النفس وما دونها وإتلاف الأموال وترويع الآمنين، والفعل إذا اشتمل كثيرا على ذلك، وكانت الطباع تقتضيه؛ ولم يكن فيه مصلحة راجحة حرمه الشارع قطعا، وهذا أصل مستمر في أصول الشريعة؛ كما دلت عليه قاعدة سد الذرائع وغيرها، وهو أن كل فعل أفضى إلى المحرم كثيرا كان سببا للشر والفساد، فإذا لم يكن فيه مصلحة راجحة شرعية وكانت مفسدته راجحة نهي عنه، بل كل سبب يفضي إلى الفساد نهي عنه إذا لم يكن فيه مصلحة، فكيف بما كثر إفضاؤه إلى الفساد؛ ولهذا نهي عن الخلوة بالأجنبية، وأما النظر فلما كانت الحاجة تدعو إلى بعضه رخص منه فيما تدعو له الحاجة؛ لأن الحاجة سبب الإباحة، كما أن الفساد والضرر سبب التحريم، فإذا اجتمعا رجح أعلاهما، كما رجح عند الضرر أكل الميتة؛ لأن مفسدة الموت شر من مفسدة أكل الخبيث المحرم.

واللعب بالسيارات (التفحيط) فيه من المفاسد مالا يخفى على عاقل وليس فيه مصلحة معتبرة فضلا عن مصلحة مقاومة؛ لأن غايته أن يلهي النفس ويريحها؛ كما يقصد شارب الخمر ذلك، وفي راحة النفس بالمباح الذي لا يصد عن المصالح ولا يجتلب المفاسد غنية، والمؤمن قد أغناه الله وجلاله عن حرامه وبفضله عمن سواه، (وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجًا) [الطلاق: 2] فعن أبي ذر رضي الله عنه جعل رسول الله صلى الله عليه وسلم يتلو هذه الآية:"ومن يتق الله يجعل له مخرجا ويرزقه من حيث لا يحتسب"قال: فجعل يرددها حتى نعست، فقال:"يا أبا ذر لو أن الناس أخذوا بها لكفتهم" [3] .

وقد بين سبحانه في هذه الآية أن المتقي يدفع عنه المضرة، وهو أن يجعل له مخرجا مما ضاق على الناس ويجلب له المنفعة ويرزقه من حيث لا يحتسب، وكل ما يتغذى به الحي مما تستريح به النفوس وتحتاج إليه في طيبها وانشراحها فهو من الرزق، والله تعالى يرزق ذلك لمن اتقاه بفعل المأمور وترك المحظور، ومن طلب ذلك بهذا اللعب فهو بمنزلة من طلب ذلك بالخمر، وصاحب الخمر يطلب الراحة ولا يزيده إلا تعبا وغما، وإن كانت تفيده مقدارا من السرور فما يعقبه من المضار ويفوته من المسار أضعاف ذلك؛ كما جرب ذلك من جربه [4] .

(1) أخرجه البخاري في باب ما ينهى عن إضاعة المال، وقول الله تعالى:"والله لا يجب الفساد"،"ولا يصلح عمل المفسدين"، وقال في قوله:"أصلاتك تأمرك أن نترك ما يعبد آباؤنا أو أن نفعل في أموالنا ما نشاء"، وقال:"ولا تؤتوا السفهاء أموالكم"، والحجر في ذلك، وما ينهى عن الخداع، ح (2277) ، صحيح البخاري ج2/ ص848.

(2) ينظر حاشية العدوي ج2/ ص654، مختصر الفتاوى المصرية ج1/ ص526.

(3) أخرجه ابن ماجه في باب الورع والتقوى، ح (4220) ، سنن ابن ماجه ج2/ ص1411، والحاكم، ح (3819) ، وقال؛ هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه، المستدرك على الصحيحين ج2/ ص534، وابن حبان في ذكر خبر ثان يصرح بصحة ما ذكرناه، ح (6669) ، صحيح ابن حبان ج15/ ص53، والطبراني في المعجم الأوسط ج3/ ص59، وقال في مجمع الزوائدج5/ ص 223؛ ورجاله رجال الصحيح.

(4) ينظر رسائل وفتاوى ابن تيميه في الفقه ج32/ ص228 - 230.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت