خطأ أم شبه عمد [1] ؛ لأن القصد منها تدارك ما فرط من التقصير، وهو في الخطأ الذي لا إثم فيه ترك التثبت مع خطر الأنفس [2] .
والأصل في وجوب الكفارة هنا قوله تعالى: (وَمَن قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَئًا فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُّؤْمِنَةٍ) ، وقوله: (وَإِن كَانَ مِن قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِّيثَاقٌ فَدِيَةٌ مُّسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ وَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُّؤْمِنَةً) [النساء: 92] .
وأما شبه العمد فتجب فيه الكفارة [3] ؛ لأنه أجري مجرى الخطأ في نفي عقوبته، وتحمل العاقلة ديته وتأجيلها فكذلك في الكفارة، ولأنه لو لم تجب الكفارة لم يلزم القاتل شيء؛ لأن الدية تحملها العاقلة [4] .
ثانيا: تجب الكفارة في القتل دون الأطراف والجروح فلا كفارة فيهما؛ لعدم وروده [5] .
ثالثا: اختلف أهل العلم رحمهم الله تعالى في وجوب الكفارة في مال من قتل نفسه خطأ على قولين:
القول الأول: لا تجب في مال من قتل نفسه خطأ كفارة، وإليه ذهب الحنفية [6] ، وهو وجه عند المالكية [7] ، ووجه عند الشافعية [8] ، ومال إليه ابن قدامه رحمة الله [9] .
قال في المبسوط: (كذلك لو قتل الولد الأم فليس عليه بسبب الجناية شيء؛ لأنه جزء منها فجنايته عليها كجنايته على نفسه) [10] .
قال في منح الجليل: (لا كفارة على قاتل نفسه. ابن عرفة. ابن شاس: لا تجب الكفارة في قتل الصائل، ولا على قاتل نفسه، قلت: هو مقتضى المذهب، لأنه غير خطأ) [11] .
قال في روضة الطالبين: (وهل تجب على من قتل نفسه، وجهان، أصحهما: نعم؛ لأنه قتل محرم فتخرج من تركته) [12] .
واستدلوا بما يلي:
1 -قوله تعالى (وَمَن قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَئًا) إلى قوله (فَمَن لَّمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ) [النساء: 92] .
وجه الاستدلال من وجهين:
الأول: إنما أريد بالكفارة إذا قتل غيره بدليل قوله:"ودية مسلمة إلى أهله"، وقاتل نفسه لا تجب فيه دية [13] ؛ للأدلة التي مرت.
الثاني: وجوب صيام الشهرين المتتابعين عند عدم الرقبة مخرج قاتل نفسه لامتناع تصور هذا الجزء من
(1) ينظر لسان الحكام ج1/ ص389، منح الجليل ج9/ ص154/ المهذب ج2/ ص217، الإقناع للشربيني ج2/ ص518، الكافي في فقه ابن حنبل ج4/ ص144.
(2) ينظر نهاية المحتاج ج7/ ص384.
(3) ينظر المهذب ج2/ ص217، الكافي في فقه ابن حنبل ج4/ ص144.
(4) ينظر الكافي في فقه ابن حنبل ج4/ ص144.
(5) ينظر البحر الرائق ج8/ ص391، الذخيرة ج12/ ص420، الإقناع للشربيني ج2/ ص518، مغني المحتاج ج4/ ص107، الكافي في فقه ابن حنبل ج4/ ص145.
(6) ينظر المبسوط للسرخسي ج27/ ص109.
(7) ينظر منح الجليل ج9/ ص154.
(8) ينظر روضة الطالبين ج9/ ص381.
(9) ينظر المغني ج8/ ص401.
(10) المبسوط للسرخسي ج27/ ص109.
(11) منح الجليل ج9/ ص154.
(12) روضة الطالبين ج9/ ص381.
(13) المغني ج8/ ص401.